البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - ثم دخلت سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة
المصرية و دمشق و طرابلس و غيرها، و الأخبار قد ضمنت عن يلبغا و من معه ببلاد الحجاز ما يكون من أمره، و نائب دمشق في احتراز و خوف من أن يأتى إلى بلاد الشام فيدهمها بمن معه، و القلوب وجلة من ذلك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها ورد الخبر أن صاحب اليمن حج في هذه السنة فوقع بينه و بين صاحب مكة عجلان بسبب أنه أراد أن يولى عليها أخاه بعيثة، فاشتكى عجلان ذلك إلى أمراء المصريين و كبيرهم إذ ذاك الأمير سيف الدين بزلار و معهم طائفة كثيرة، و قد أمسكوا أخاهم يلبغا و قيدوه، فقوى رأسه عليهم و استخف بهم، فصبروا حتى قضى الحج و فرغ الناس من المناسك، فلما كان يوم النفر الأول يوم الخميس تواقفوا هم و هو فقتل من الفريقين خلق كثير، و الأكثر من اليمنيين، و كانت الوقعة قريبة من وادي محسر، و بقي الحجيج خائفين أن تكون الدائرة على الأتراك فتنهب الأعراب أموالهم و ربما قتلوهم، ففرج اللَّه و نصر الأتراك على أهل اليمن و لجأ الملك المجاهد إلى جبل فلم يعصمه من الأتراك، بل أسروه ذليلا حقيرا، و أخذوه مقيدا أسيرا، و جاءت عوام الناس إلى اليمنيين فنهبوا شيئا كثيرا، و لم يتركوا لهم جليلا و لا حقيرا، و لا قليلا و لا كثيرا، و احتاط الأمراء على حواصل الملك و أمواله و أمتعته و أثقاله، و ساروا بخيله و جماله، و أدلوا على صنديد من رحله و رجاله، و استحضروا معهم طفيلا الّذي كان حاصر المدينة النبويّة في العام الماضي و قيدوه أيضا، و جعلوا الغل في عنقه، و استاقوه كما يستاق الأسير في وثاقه مصحوبا بهمه و حتفه، و انشمروا عن تلك البلاد إلى ديارهم راجعين، و قد فعلوا فعلة تذكر بعدهم إلى حين.
و دخل الركب الشامي إلى دمشق يوم الثلاثاء الثالث و العشرين من المحرم على العادة المستمرة و القاعدة المستقرة. و في هذا اليوم قدمت البريدية من تلقاء مدينة صغد مخبرة بأن الأمير شهاب الدين أحمد ابن مشد الشرنجاتاه، الّذي كان قد تمرد بها و طغى و بغى حتى استحوذ عليها و قطع سببها و قتل الفرسان و الرجالة، و ملأها أطعمة و أسلحة، و مماليكه و رجاله، فعند ما تحقق مسك يلبغا أروش خضعت تلك النفوس، و خمدت ناره و سكن شراره و حار بثأره، و وضح قراره، و أناب إلى التوبة و الإقلاع، و رغب إلى السلامة و الخلاص، و خشع و لات حين مناص، و أرسل سيفه إلى السلطان، ثم توجه بنفسه على البريد إلى حضرة الملك الناصر و اللَّه المسئول أن يحسن عليه و أن يقبل بقلبه إليه.
و في يوم الأحد خامس صفر قدم من الديار المصرية الأمير سيف الدين أرغون الكاملي معادا إلى نيابة حلب، و في صحبته الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار بالديار المصرية، و هو زوج ابنة نائب الشام، فتلقاه نائب الشام و أعيان الأمراء، و نزل طشبغا الدوادار عند زوجته بدارمنجى في محلة مسجد القصب التي كانت تعرف بدار حنين بن حندر، و قد جددت في السنة الماضية، و توجها في الليلة الثانية من قدومهما إلى حلب. و في يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول اجتمع