البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٥ - ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
الناس إليه، و لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، و كانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدا و يمد ركوعها و سجودها، و يلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع و لا ينزع عن ذلك (رحمه اللَّه)، و له من التصانيف الكبار و الصغار شيء كثير، و كتب بخطه الحسن شيئا كثيرا، و اقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف و الخلف، و بالجملة كان قليل النظير في مجموعه و أموره و أحواله، و الغالب عليه الخير و الأخلاق الصالحة، سامحه اللَّه و رحمه، و قد كان متصديا للافتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقى الدين ابن تيمية، و جرت بسببها فصول يطول بسطها مع قاضى القضاة تقى الدين السبكى و غيره، و قد كانت جنازته حافلة (رحمه اللَّه)، شهدها القضاة و الأعيان و الصالحون من الخاصة و العامة، و تزاحم الناس على حمل نعشه، و كمل له من العمر ستون سنة (رحمه اللَّه).
و في يوم الاثنين ثانى عشر شهر شعبان ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد اللَّه بن الشيخ الامام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية عوضا عن أبيه (رحمه اللَّه) فأفاد و أجاد، و سرد طرفا صالحا في فضل العلم و أهله، انتهى و اللَّه تعالى أعلم.
و من العجائب و الغرائب التي لم يتفق مثلها و لم يقع من نحو مائتي سنة و أكثر، أنه بطل الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة و للَّه الحمد و المنة. و فرح أهل العلم بذلك، و أهل الديانة، و شكروا اللَّه تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد، و الاستيجار بالجامع الأموي، و كان ذلك بمرسوم السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون خلد اللَّه ملكه، و شيد أركانه و كان الساعي لذلك بالديار المصرية الأمير حسام الدين أبو بكر بن النجيبى بيض اللَّه وجهه، و قد كان مقيما في هذا الحين بالديار المصرية، و قد كنت رأيت عنده فتيا عليها خط الشيخ تقى الدين بن تيمية، و الشيخ كمال الدين بن الزملكانى، و غيرهما في إبطال هذه البدعة، فأنفذ اللَّه ذلك و للَّه الحمد و المنة. و قد كانت هذه البدعة قد استقرت بين أظهر الناس من نحو سنة خمسين و أربعمائة و إلى زماننا هذا، و كم سعى فيها من فقيه و قاض و مفت و عالم و عابد و أمير و زاهد و نائب سلطنة و غيرهم و لم ييسر اللَّه ذلك إلا في عامنا هذا، و المسئول من اللَّه إطالة عمر هذا السلطان، ليعلم الجهلة الذين استقر في أذهانهم إذا أبطل هذا الوقيد في عام يموت سلطان الوقت، و كان هذا لا حقيقة له و لا دليل عليه إلا مجرد الوهم و الخيال.
و في مستهل شهر رمضان اتفق أمر غريب لم يتفق مثله من مدة متطاولة، فيما يتعلق بالفقهاء و المدارس، و هو أنه كان قد توفى ابن الناصح الحنبلي بالصالحية، و كان بيده نصف تدريس الضاحية