البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٥ - ثم دخلت سنة تسع و أربعين و سبعمائة
إياس نائب حلب محتاطا عليه، فاجتمع بالنائب في دار السعادة، ثم أدخل القلعة مضيقا عليه، و يقال إنه قد فوض أمره إلى نائب دمشق، فمهما فعل فيه فقد أمضى له، فأقام بالقلعة المنصورة نحوا من جمعة، ثم أركب على البريد ليسار به إلى الديار المصرية، فلم يدر ما فعل به.
و في ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة توفى الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام و شيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عثمان الذهبي بتربة أم الصالح و صلى عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق و دفن بباب الصغير، و قد ختم به شيوخ الحديث و حفاظه (رحمه اللَّه).
و في يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح رحم اللَّه واقفها عوضا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، و حضر جماعة من أعيان الفقهاء و بعض القضاة، و كان درسا مشهودا و للَّه الحمد و المنة، أوردت فيه حديث
أحمد عن الشافعيّ عن مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إنما نسمة المؤمن طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم يبعثه»
و في يوم الأربعاء تاسع عشره أمر نائب السلطنة بجماعة انتهبوا شيئا من الباعة فقطعوا إحدى عشر منهم، و سمر عشر تسميرا تعزيرا و تأديبا انتهى و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة تسع و أربعين و سبعمائة
استهلت و سلطان البلاد المصرية و الشامية الملك الناصر ناصر الدين حسن بن الملك المنصور و نائبة بالديار المصرية الأمير سيف الدين يلبغا، و وزيره منجك، و قضاته عز الدين بن جماعة الشافعيّ و تقى الدين الاخنائى المالكي، و علاء الدين بن التركماني الحنفي، و موفق الدين المقدسي الحنبلي، و كاتب سره القاضي علاء الدين بن محيي الدين بن فضل اللَّه العمرى، و نائب الشام المحروس بدمشق الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري، و حاجب الحجاب الأمير طيدمر الإسماعيلي، و القضاة بدمشق قاضى القضاة تقى الدين السبكى الشافعيّ، و قاضى القضاة نجم الدين الحنفي، و قاضى القضاة جلال الدين المسلاتي المالكي، و قاضى القضاة علاء الدين بن منجا الحنبلي، و كاتب سره القاضي ناصر الدين الحلبي الشافعيّ، و هو قاضى العساكر بحلب، و مدرس الأسدية بها أيضا، مع إقامته بدمشق المحروسة، و تواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد، فذكر عن بلاد القرم أمر هائل و موتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل إن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، و كذلك وقع بغزة أمر عظيم، و قد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفا، و قرئ البخاري في يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الأول في هذه السنة، و حضر القضاة و جماعة من الناس، و قر أربعة بعد ذلك المقرءون، و دعا الناس برفع الوباء عن البلاد، و ذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض