البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٤ - مقتل المظفر و تولية الناصر حسن بن الناصر
من تنكز (رحمه اللَّه) فنزل دار السعادة و حكم بها، و فيه صرامة و شهامة.
و في يوم الخميس الثالث و العشرين منه صلى على الأمير قراسنقر بالجامع الأموي و ظاهر باب النصر، و حضر القضاة و الأعيان و الأمراء، و دفن بتربته بميدان الحصا بالقرب من جامع الكريمي و عملت ليلة النصف على العادة من إشعال القناديل و لم يشعل الناس لما هم فيه من الغلاء و تأخر المطر و قلة الغلة، كل رطل إلا وقية بدرهم، و هو متغير، و سائر الأشياء غالية، و الزيت كل رطل بأربعة و نصف، و مثله الشيرج و الصابون و الأرز و العنبريس كل رطل بثلاثة، و سائر الأطعمات على هذا النحو، و ليس شيء قريب الحال سوى اللحم بدرهمين و ربع، و نحو ذلك، و غالب أهل حوران يردون من الأماكن البعيدة و يجلبون القمح للمئونة و البدار من دمشق، و بيع عندهم القمح المغربل كل مد بأربعة دراهم، و هم في جهد شديد، و اللَّه هو المأمول المسئول. و إذا سافر أحد يشق عليه تحصيل الماء لنفسه و لفرسه و دابته، لأن المياه التي في الدرب كلها نفذت، و أما القدس فأشد حالا و أبلغ في ذلك.
و لما كان العشر الأخير من شعبان من هذه السنة من اللَّه سبحانه و تعالى و له الحمد و المنة على عباده بإرسال الغيث المتدارك الّذي أحيى العباد و البلاد، و تراجع الناس إلى أوطانهم لوجود الماء في الأودية و الغدران، و امتلأت بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة، و جاءت بذلك البشائر إلى نائب السلطنة، و ذكر أن الماء عم البلاد كلها، و أن الثلج على جبل بنى هلال كثير، و أما الجبال التي حول دمشق فعليها ثلوج كثيرة جدا، و اطمأنت القلوب و حصل فرج شديد و للَّه الحمد و المنة، و ذلك في آخر يوم بقي من تشرين الثاني.
و في يوم الثلاثاء الحادي و العشرين من رمضان توفى الشيخ عز الدين محمد الحنبلي بالصالحية و هو خطيب الجامع المظفري، و كان من الصالحين المشهورين (رحمه اللَّه)، و كان كثيرا ما يلقن الأموات بعد دفنهم، فلقنه اللَّه حجته و ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة.
مقتل المظفر و تولية الناصر حسن بن الناصر
و في العشر الأخير من رمضان جاء البريد من نائب غزة إلى نائب دمشق بقتل السلطان الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد، وقع بينه و بين الأمراء فتحيزوا عنه إلى قبة النصر فخرج إليهم في طائفة قليلة فقتل في الحال و سحب إلى مقبرة هناك، و يقال قطع قطعا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و لما كان يوم الجمعة آخر النهار ورد من الديار المصرية أمير للبيعة لأخيه السلطان الناصر حسن ابن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فدقت البشائر في القلعة المنصورة، و زين البلد بكماله و للَّه الحمد في الساعة الراهنة من أمكن من الناس، و ما أصبح صباح يوم السبت إلا زين البلد بكماله و للَّه الحمد على انتظام الكلمة، و اجتماع الألفة. و في يوم الثلاثاء العشرين من شوال قدم الأمير فخر الدين