البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - ثم دخلت سنة خمس و أربعين و سبعمائة
و في ليلة الاثنين عاشر جمادى الآخرة توفى صاحبنا المحدث تقى الدين محمد بن صدر الدين سليمان الجعبريّ زوج بنت الشيخ جمال الدين المزي، والد شرف الدين عبد اللَّه، و جمال الدين إبراهيم و غيرهم، و كان فقيها بالمدارس، و شاهدا تحت الساعات و غيرها، و عنده فضيلة جيدة في قراءة الحديث و شيء من العربية، و له نظم مستحسن، انقطع يومين و بعض الثالث و توفى في الليلة المذكورة في وسط الليل، و كنت عنده وقت العشاء الآخرة ليلتئذ، و حدثني و ضاحكنى، و كان خفيف الروح (رحمه اللَّه)، ثم توفى في بقية ليلته (رحمه اللَّه)، و كان أشهدنى عليه بالتوبة من جميع ما يسخط اللَّه عز و جل، و أنه عازم على ترك الشهود أيضا (رحمه اللَّه)، صلى عليه ظهر يوم الاثنين، و دفن بمقابر باب الصغير عند أبويه (رحمهم اللَّه).
و في يوم الجمعة ثانى عشرين شهر رجب خطب القاضي عماد الدين بن العز الحنفي بجامع تنكز خارج باب النصر عن نزول الشيخ نجم الدين على بن داود القفجارى له عن ذلك، و أيضا نائب السلطنة الأمير سيف الدين تغردمر و حضوره عنده في الجامع المذكور يومئذ.
و في يوم الجمعة تاسع عشرين رجب توفى القاضي الامام العالم جلال الدين أبو العباس أحمد ابن قاضى القضاة حسام الدين الرومي الحنفي، و صلى عليه بعد صلاة الجمعة بمسجد دمشق، و حضره القضاة و الأعيان و دفن بالمدرسة التي أنشأها إلى جانب الزردكاش قريبا من الخاتونية الجوانية، و كان قد ولى قضاء قضاة الحنفية في أيام ولاية أبيه الديار المصرية، و كان مولده سنة إحدى و خمسين و ستمائة، و قدم الشام مع أبيه فأقاموا بها، ثم لما ولى الملك المنصور لاجين ولى أباه قضاء الديار المصرية، و ولده هذا قضاء الشام، ثم إنه عزل بعد ذلك و استمر على ثلاث مدارس من خيار مدارس الحنفية ثم حصل له صمم في آخر عمره، و كان ممتعا بحواسه سواه و قواه، و كان يذاكر في العلم و غير ذلك.
و في يوم الأربعاء الرابع و العشرين من شعبان توفى الشيخ نجم الدين على بن داود القفجارى خطيب جامع تنكز، و مدرس الظاهرية، و قد نزل عنها قبل وفاته بقليل للقاضي عماد الدين بن العز الحنفي، و صلى عليه بالجامع المذكور بعد صلاة الظهر يومئذ، و عند باب النصر و عند جامع جراح و دفن بمقبرة ابن الشيرجي عند والده، و حضره القضاة و الأعيان، و كان أستاذا في النحو و له علوم أخر، لكن كان نهاية في النحو و التصريف.
و في هذا اليوم توفى الشيخ الصالح العابد الناسك الشيخ عبد اللَّه الضرير الزرعى، و صلى عليه بعد الظهر بالجامع الأموي و بباب النصر و عند مقابر الصوفية، و دفن بها قريبا من الشيخ تقى الدين ابن تيمية (رحمه اللَّه)، و كان كثير التلاوة حسنها و صحيحها، كثير العبادة، يقرئ الناس من دهر طويل و يقوم بهم العشر الأخير من رمضان، في محراب الحنابلة بالجامع الأموي (رحمه اللَّه).