البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٣ - ثم دخلت سنة خمس و أربعين و سبعمائة
الكرك الأمير سيف الدين أبو بكر بن بهادرآص الّذي كان أسر في أوائل حصار الكرك، و جماعة من مماليك الناصر أحمد، كان اتهمهم بقتل الشهيب أحمد، الّذي كان يعتنى به و يحبه، و استبشر الجيوش بنزول أبى بكر من عنده و سلامته من يده، و جهز إلى الديار المصرية معظما، و هذا و المجانيق الثلاثة مسلطة على القلعة من البلد تضرب عليها ليلا و نهارا، و تدمر في بنائها من داخل، فان سورها لا يؤثر فيه شيء بالكلية، ثم ذكر أن الحصار فتر و لكن مع الاحتياط على أن لا يدخل إلى القلعة ميرة و لا شيء مما يستعينون به على المقام فيها، فاللَّه المسئول أن يحسن العاقبة. و في يوم الأربعاء الخامس و العشرين من صفر قدم البريد مسرعا من الكرك فأخبر بفتح القلعة، و أن بابها أحرق، و أن جماعة الأمير أحمد بن الناصر استغاثوا بالأمان، و خرج أحمد مقيدا و سير على البريد إلى الديار المصرية، و ذلك يوم الاثنين بعد الظهر الثالث و العشرين من هذا الشهر، و للَّه عاقبة الأمور و في صبيحة يوم الجمعة رابع ربيع الأول دقت البشائر بالقلعة، و زينت البلد عن مرسوم السلطان الملك الصالح سرورا بفتح البلد، و اجتماع الكلمة عليه، و استمرت الزينة إلى يوم الاثنين سابعه، فرسم برفعها بعد الظهر فتشوش كثير من العوام، و أرجف بعض الناس بأن أحمد قد ظهر أمره و بايعه الأمراء الذين هم عنده، و ليس لذلك حقيقة، و دخلت الأطلاب من الكرك صبيحة يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول بالطبلخانات و الجيوش، و اشتهر إعدام أحمد بن الناصر.
و في يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول صلى بالجامع الأموي على الشيخ أمين الدين أبى حيان النحويّ، شيخ البلاد المصرية من مدة طويلة، و كانت وفاته بمصر عن تسعين سنة و خمسة أشهر. ثم اشتهر في ربيع الآخر قتل السلطان أحمد و حز رأسه و قطع يديه، و دفن جثته بالكرك، و حمل رأسه إلى أخيه الملك الصالح إسماعيل، و حضر بين يديه في الرابع و العشرين من هذا الشهر، ففرح الناس بذلك، و دخل الشيخ أحمد الزرعى على السلطان الملك الصالح فطلب منه أشياء كثيرة من تبطيل المظالم و مكوسات و إطلاق طبلخانات للأمير ناصر الدين بن بكتاش، و إطلاق أمراء محبوسين بقلعة دمشق و غير ذلك، فأجابه إلى جميع ذلك، و كان جملة المراسيم التي أجيب فيها بضع و ثلاثين مرسوما، فلما كان آخر شهر ربيع الآخر قدمت المراسيم التي سألها الشيخ أحمد من الملك الصالح، فأمضيت كلها، أو كثير منها، و أفرج عن صلاح الدين بن الملك الكامل، و الأمير سيف الدين بلو، في يوم الخميس سلخ هذا الشهر، ثم روجع في كثير منها و توقف حالها.
و في هذا الشهر عملت منارة خارج باب الفرج و فتحت مدرسة كانت دارا قديمة فجعلت مدرسة للحنفية و مسجدا، و عملت طهارة عامة، و مصلى للناس، و كل ذلك منسوب إلى الأمير سيف الدين تقطم الخليلي أمير حاجب كان، و هو الّذي جدد الدار المعروفة به اليوم بالقصاعين.