البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢ - ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و ستمائة
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و ستمائة
استهلت و الخليفة الحاكم العباسي و سلطان البلاد المنصور لاجين و نائبة بمصر مملوكه سيف الدين منكوتمر، و قاضى الشافعية الشيخ تقى الدين بن دقيق العبد، و الحنفي حسام الدين الرازيّ، و المالكي و الحنبلي كما تقدم. و نائب الشام سيف الدين قبجق المنصوري، و قضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها، و الوزير تقى الدين توبة، و الخطيب بدر الدين بن جماعة.
و لما كان في أثناء المحرم رجعت طائفة من الجيش من بلاد سيس بسبب المرض الّذي أصاب بعضهم، فجاء كتاب السلطان بالعتب الأكيد و الوعيد الشديد لهم، و أن الجيش يخرج جميعه صحبة نائب السلطنة قبجق إلى هناك و نصب مشانق لمن تأخر بعذر أو غيره، فخرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجق و صحبته الجيوش و خرج أهل البلد للفرجة على الأطلاب على ما جرت به العادة، فبرز نائب السلطنة في أبهة عظيمة فدعت له العامة و كانوا يحبونه، و استمر الجيش سائرين قاصدين بلاد سيس، فلما وصلوا إلى حمص بلغ الأمير سيف الدين قبجق و جماعة من الأمراء أن السلطان قد تغلت خاطره بسبب سعى منكوتمر فيهم، و علموا أن السلطان لا يخالفه لمحبته له، فاتفق جماعة منهم على الدخول إلى بلاد التتر و النجاة بأنفسهم، فساقوا من حمص فيمن أطاعهم، و هم قبجق و بزلى و بكتمر السلحدار و الأيلي، و استمروا ذاهبين. فرجع كثير من الجيش إلى دمشق، و تخبطت الأمور و تأسفت العوام على قبجق لحسن سيرته، و ذلك في ربيع الآخر من هذه السنة ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.