البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و سبعمائة
الناسك القدوة الشيخ محمد بن تمام توفى بالصالحية، فذهب الناس إلى جنازته إلى الجامع المظفري، و اجتمع الناس على صلاة الظهر فضاق الجامع المذكور عن أن يسعهم، و صلى الناس في الطرقات و أرجاء الصالحية، و كان الجمع كثيرا جدا لم يشهد الناس جنازة بعد جنازة الشيخ تقى الدين بن تيمية مثلها، لكثرة من حضرها من الناس رجالا و نساء، و فيهم القضاة و الأعيان و الأمراء و جمهور الناس يقاربون عشرين ألفا، و انتظر الناس نائب السلطنة فاشتغل بكتاب ورد عليه من الديار المصرية، فصلى عليه الشيخ بعد صلاة الظهر بالجامع المظفري، و دفن عند أخيه في تربة بين تربة الموفق و بين تربة الشيخ أبى عمر (رحمهم اللَّه) و إيانا.
و في أول شهر جمادى الأولى توفيت الشيخة العابدة الصالحة العالمة قارئة القرآن أم فاطمة عائشة بنت إبراهيم بن صديق زوجة شيخنا الحافظ جمال الدين المزي عشية يوم الثلاثاء مستهل هذا الشهر و صلى عليها بالجامع صبيحة يوم الأربعاء و دفنت بمقابر الصوفية غربي قبر الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمهم اللَّه). كانت عديمة النظير في نساء زمانها لكثرة عبادتها و تلاوتها و إقرائها القرآن العظيم بفصاحة و بلاغة و أداء صحيح، يعجز كثير من الرجال عن تجويده، و ختمت نساء كثيرا، و قرأ عليها من النساء خلق و انتفعن بها و بصلاحها و دينها و زهدها في الدنيا، و تقللها منها، مع طول العمر بلغت ثمانين سنة أنفقتها في طاعة اللَّه صلاة و تلاوة، و كان الشيخ محسنا إليها مطيعا، لا يكاد يخالفها لحبه لها طبعا و شرعا ف(رحمها اللَّه) و قدس روحها، و نور مضجعها بالرحمة آمين.
و في يوم الأربعاء الحادي و العشرين منه درس بمدرسة الشيخ أبى عمر بسفح قاسيون الشيخ الامام شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، في التدريس البكتمري عوضا عن القاضي برهان الدين الزرعى، و حضر عنده المقادسة و كبار الحنابلة، و لم يتمكن أهل المدينة من الحضور لكثرة المطر و الوحل يومئذ. و تكامل عمارة المنارة الشرقية في الجامع الأموي في العشر الأخير من رمضان، و استحسن الناس بناءها و إتقانها، و ذكر بعضهم أنه لم يبن في الإسلام منارة مثلها و للَّه الحمد. و وقع لكثير من الناس في غالب ظنونهم أنها المنارة البيضاء الشرقية التي ذكرت في حديث النواس بن سمعان في نزول عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء في شرقى دمشق، فلعل لفظ الحديث انقلب على بعض الرواة، و إنما كان على المنارة الشرقية بدمشق، و هذه المنارة مشهورة بالشرقية لمقابلتها أختها الغربية، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
و في يوم الثلاثاء سلخ شهر شوال عقد مجلس في دار العدل بدار السعادة و حضرته يومئذ و اجتمع القضاة و الأعيان على العادة و أحضر يومئذ عثمان الدكاكى قبحه اللَّه تعالى، و ادعى عليه بعظائم من القول لم يؤثر مثلها عن الحلاج و لا عن ابن أبى الغدافر السلقمانى، و قامت عليه البينة بدعوى الآلهية