البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨ - ثم دخلت سنة إحدى و سبعمائة
و جلسوا حوله، و لم تجتمع هذه المناصب لغيره قبله، و لا بلغنا أنها اجتمعت إلى أحد بعده إلى زماننا هذا: القضاء و الخطابة و مشيخة الشيوخ. و في يوم الاثنين الرابع و العشرين من ربيع الأول قتل الفتح أحمد بن الثقفي بالديار المصرية، حكم فيه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقيصه للشريعة و استهزائه بالآيات المحكمات، و معارضة المشتبهات بعضها ببعض، يذكر عنه أنه كان يحل المحرمات من اللواط و الخمر و غير ذلك، لمن كان يجتمع فيه من الفسقة من الترك و غيرهم من الجهلة، هذا و قد كان له فضيلة و له اشتغال و هيئة جميلة في الظاهر، و بزته و لبسته جيدة، و لما أوقف عند شباك دار الحديث الكاملية بين القصرين استغاث بالقاضي تقى الدين بن دقيق العبد فقال:
ما تعرف منى؟ فقال: أعرف منك الفضيلة، و لكن حكمك إلى القاضي زين الدين، فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقه، فضرب عنقه و طيف برأسه في البلد، و نودي عليه هذا جزاء من طعن في اللَّه و رسوله.
قال البرزالي في تاريخه: و في وسط شهر ربيع الأول ورد كتاب من بلاد حماة من جهة قاضيها يخبر فيه أنه وقع في هذه الأيام ببارين من عمل حماة برد كبار على صور حيوانات مختلفة شتى، سباع و حيات و عقارب و طيور و معز و نساء، و رجال في أوساطهم حوائص، و أن ذلك ثبت بمحضر عند قاضى الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضى حماة. و في يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر شنق الشيخ على الحوير الى بواب الظاهرية على بابها، و ذلك أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدين السمرقندي.
و في النصف منه حضر القاضي بدر الدين بن جماعة تدريس الناصرية الجوانية عوضا عن كمال الدين ابن الشريشى، و ذلك أنه ثبت محضر أنها لقاضى الشافعية بدمشق، فانتزعها من يد ابن الشريشى.
و في يوم الثلاثاء التاسع و العشرين من جمادى الاولى قدم الصدر علاء الدين بن شرف الدين بن القلانسي على أهله من التتر بعد أسر سنتين و أياما و قد حبس مدة ثم لطف اللَّه به و تلطف حتى تخلص منهم و رجع إلى أهله، ففرحوا به.
و في سادس جمادى الآخرة قدم البريد من القاهرة و أخبر بوفاة أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر اللَّه العباسي، و أن ولده ولى الخلافة من بعده، و هو أبو الربيع سليمان، و لقب بالمستكفي باللَّه، و أنه حضر جنازته الناس كلهم مشاة، و دفن بالقرب من الست نفيسة، و له أربعون سنة في الخلافة، و قدم مع البريد تقليد بالقضاء لشمس الدين الحريري الحنفي، و نظر الدواوين لشرف الدين بن مزهر، و استمرت الخاتونية الجوانية بيد القاضي جلال الدين بن حسام الدين باذن نائب السلطنة.
و في يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خطب للخليفة المستكفي باللَّه و ترحم على والده بجامع دمشق، و أعيدت الناصرية إلى ابن الشريشى و عزل عنها ابن جماعة و درس بها يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الآخرة. و في شوال قدم إلى الشام جراد عظيم أكل الزرع و الثمار و جرد الأشجار حتى