البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - الوزير العالم أبو القاسم
بالشارع، و خطب بالجامع الّذي أنشأه قوصون بين جامع طولون و الصالحية، يوم الجمعة حادي عشر رمضان و حضر السلطان و أعيان الأمراء الخطبة، خطب به يومئذ قاضى القضاة جلال الدين القزويني الشافعيّ، و خلع عليه خلعة سنية، و استقل في خطابته بدر الدين بن شكري.
و خرج الركب الشامي يوم السبت حادي عشر شوال و أميره سيف الدين المرساوى صهر بلبان البيري، و قاضيه شهاب الدين ابن المجد عبد اللَّه مدرس الاقبالية، ثم تولى قضاء القضاة كما سيأتي، و ممن حج في هذه السنة رضى الدين بن المنطيقى، و الشمس الأردبيلي شيخ الجاروضية و صفى الدين ابن الحريري، و شمس الدين ابن خطيب بيروذ، و الشيخ محمد النيربانى و غيرهم، فلما قضوا مناسكهم رجعوا إلى مكة لطواف الوداع، فبينما هم في سماع الخطبة إذ سمعوا جلبة الخيل من بنى حسن و عبيدهم، قد حطموا على الناس في المسجد الحرام، فثار إلى قتالهم الأتراك فاقتتلوا فقتل أمير من الطبلخانات بمصر، يقال له سيف الدين جخدار و ابنه خليل، و مملوك له، و أمير عشيرة يقال له الباجي، و جماعة من الرجال و النساء و نهبت أموال كثيرة، و وقعت خبطة عظيمة في المسجد، و تهارب الناس إلى منازلهم بأبيار الزاهر، و ما كادوا يصلون إليها و ما أكملت الجمعة إلا بعد جهد، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و اجتمعت الأمراء كلهم على الرجعة إلى مكة للاخذ بالثأر منهم، ثم كروا راجعين و تبعهم العبيد حتى وصلوا إلى مخيم الحجيج، و كادوا ينهبون الناس عامة جهرة، و صار أهل البيت في آخر الزمان يصدون الناس عن المسجد الحرام، و بنو الأتراك هم الذين ينصرون الإسلام و أهله و يكفون الأذية عنهم بأنفسهم و أموالهم، كما قال تعالى إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
و ممن توفى فيها من الأعيان.
علاء الدين ابن الأثير
كاتب السر بمصر، على بن أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبي الأصل، ثم المصري، كانت له حرمة و وجاهة و أموال و ثروة و مكانة عند السلطان، حتى ضربه الفالج في آخر عمره فانعزل عن الوظيفة و باشرها ابن فضل اللَّه في حياته.
الوزير العالم أبو القاسم
محمد بن محمد بن سهل بن محمد بن سهل الأزدي الغرناطي الأندلسى، من بيت الرئاسة و الحشمة ببلاد المغرب، قدم علينا إلى دمشق في جمادى الأولى سنة أربع و عشرين، و هو بعزم الحج، فسمعت بقراءته صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني. قراءة صحيحة، ثم كانت وفاته في القاهرة في ثانى عشرين المحرم، و كانت له فضائل كثيرة في الفقه و النحو و التاريخ و الأصول، و كان عالى الهمة شريف النفس محترما ببلاده جدا، بحيث إنه يولى الملوك و يعزلهم، و لم يل هو مباشرة شيء و لا أهل بيته، و إنما كان يلقب بالوزير مجازا.