البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٦ - و في هذا الحين توفى الصاحب شرف الدين يعقوب بن عبد اللَّه
شيخنا العالم العلامة برهان الدين الفزاري
هو الشيخ الامام العالم العلامة شيخ المذهب و علمه و مفيد أهله، شيخ الإسلام مفتى الفرق بقية السلف برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ العلامة تاج الدين أبى محمد عبد الرحمن ابن الشيخ الامام المقري المفتى برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري المصري الشافعيّ، ولد في ربيع الأول سنة ستين و ستمائة، و سمع الحديث و اشتغل على أبيه و أعاد في حلقته و برع و ساد أقرانه، و سائر أهل زمانه من أهل مذهبه في دراية المذهب و نقله و تحريره، ثم كان في منصب أبيه في التدريس بالبادرائية، و أشغل الطلبة بالجامع الأموي فانتفع به المسلمون، و قد عرضت عليه المناصب الكبار فأباها، فمن ذلك أنه باشر الخطابة بعد عمه العلامة شرف الدين مدة ثم تركها و عاد إلى البادرائية، و عرض عليه قضاء قضاة الشام بعد ابن صصريّ و ألح نائب الشام عليه بنفسه و أعوانه من الدولة فلم يقبل، و صمم و امتنع أشد الامتناع، و كان مقبلا على شأنه عارفا بزمانه مستغرقا أوقاته في الاشتغال و العبادة ليلا و نهارا، كثير المطالعة و إسماع الحديث، و قد سمعنا عليه صحيح مسلم و غيره، و كان يدرس بالمدرسة المذكورة، و له تعليق كثير على التنبيه، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، و له تعليق على مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، و له مصنفات في غير ذلك كبار. و بالجملة فلم أر شافعيا من مشايخنا مثله، و كان حسن الشكل عليه البهاء و الجلالة و الوقار، حسن الأخلاق، فيه حدة ثم يعود قريبا، و كرمه زائد و إحسانه إلى الطلبة كثير، و كان لا يقتنى شيئا و يصرف مرتبه و جامكية مدرسته في مصالحه، و قد درس بالبادرائية من سنة سبعين و ستمائة إلى عامه هذا، توفى بكرة يوم الجمعة سابع جمادى الاولى بالمدرسة المذكورة، و صلى عليه عقب الجمعة بالجامع و حملت جنازته على الرءوس و أطراف الأنامل، و كانت حافلة، و دفن عند أبيه و عمه و ذويه بباب الصغير (رحمه اللَّه تعالى).
الشيخ الامام العالم الزاهد الورع
مجد الدين إسماعيل الحراني الحنبلي، ولد سنة ثمان و أربعين و ستمائة، و قرأ القراءات و سمع الحديث في دمشق حين انتقل مع أهله اليها سنة إحدى و سبعين، و اشتغل على الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، و لازمه و انتفع به، و برع في الفقه و صحة النقل و كثرة الصمت عما لا يعنيه، و لم يزل مواظبا على جهاته و وظائفه لا ينقطع عنها إلا من عذر شرعي، إلى أن توفى ليلة الأحد تاسع جمادى الأولى و دفن بباب الصغير (رحمه اللَّه تعالى).
و في هذا الحين توفى. الصاحب شرف الدين يعقوب بن عبد اللَّه
الّذي كان ناظر الدواوين بحلب، ثم انتقل إلى نظرها بطرابلس. توفى بحماة، و كان محبا للعلماء و أهل الخير، و فيه كرم و إحسان، و هو والد القاضي ناصر الدين كاتب السر بدمشق، و قاضى العساكر