البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - ثم دخلت سنة أربع و عشرين و سبعمائة
سور: ق، و اقتربت، و الواقعة، و القيامة، ثم صلى العشاء ثم خطب بعدها ثم أصبح فصلى بالناس الصبح ثم ركب على البريد إلى مصر فرزق من السلطان فتولاه و ولاه بعد أيام القضاء ثم كر راجعا إلى الشام فدخل دمشق في خامس رجب على القضاء مع الخطابة و تدريس العادلية و الغزالية، فباشر ذلك كله، و أخذت منه الأمينية فدرس فيها جمال الدين بن القلانسي، مع وكالة بيت المال، و أضيف إليه قضاء العساكر و خوطب بقاضي القضاة جلال الدين القزويني.
و فيها قدم ملك التكرور إلى القاهرة بسبب الحج في خامس عشرين رجب، فنزل بالقرافة و معه من المغاربة و الخدم نحو من عشرين ألفا، و معهم ذهب كثير بحيث إنه نزل سعر الذهب درهمين في كل مثقال، و يقال له الملك الأشرف موسى بن أبى بكر، و هو شاب جميل الصورة، له مملكة متسعة مسيرة ثلاث سنين، و يذكر أن تحت يده أربعة و عشرين ملكا، كل ملك تحت يده خلق و عساكر، و لما دخل قلعة الجبل ليسلم على السلطان أمر بتقبيل الأرض فامتنع من ذلك، فأكرمه السلطان، و لم يمكن من الجلوس أيضا حتى خرج من بين يدي السلطان و أحضر له حصان أشهب بزنارى أطلس أصفر، و هيئت له هجن و آلات كثيرة تليق بمثله، و أرسل هو إلى السلطان أيضا بهدايا كثيرة من جملتها أربعون ألف دينار، و إلى النائب بنحو عشرة آلاف دينار، و تحف كثيرة.
و في شعبان و رمضان زاد النيل بمصر زيادة عظيمة، لم ير مثلها من نحو مائة سنة أو أزيد منها و مكث على الأراضي نحو ثلاثة أشهر و نصف، و غرق أقصابا كثيرة، و لكن كان نفعه أعظم من ضره. و في يوم الخميس ثامن عشر شعبان استناب القاضي جلال الدين القزويني نائبين في الحكم، و هما يوسف بن إبراهيم بن جملة المحجي الصالحي، و قد ولى القضاء فيما بعد ذلك كما سيأتي، و محمد بن على بن إبراهيم المصري، و حكما يومئذ، و من الغد جاء البريد و معه تقليد قضاء حلب للشيخ كمال الدين بن الزملكانى، فاستدعاه نائب السلطنة و فاوضه في ذلك فامتنع، فراجعه النائب ثم راجع السلطان فجاء البريد في ثانى عشر رمضان بإمضاء الولاية فشرع للتأهب لبلاد حلب، و تمادى في ذلك حتى كان خروجه إليها في بكرة يوم الخميس رابع عشر شوال، و دخل حلب يوم الثلاثاء سادس عشرين شوال فأكرم إكراما زائدا، و درس بها و ألقى علوما أكبر من تلك البلاد، و حصل لهم الشرف بفنونه و فوائده، و حصل لأهل الشام الأسف على دروسه الأنيقة الفائقة، و ما أحسن ما قال الشاعر و هو شمس الدين محمد الحناط في قصيدة له مطولة أولها قوله:
أسفت لفقدك جلق الفيحاء* * * و تباشرت بقدومك الشهباء
و في ثانى عشر رمضان عزل أمين الملك عن وزارة مصر و أضيفت الوزارة إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الحمالى، أستاذ دار السلطان. و في أواخر رمضان طلب الصاحب شمس الدين غبريال إلى