فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٥٠٥ - الأمر الثاني في زنا الذمي بالذمية
قال المحقّق الأردبيلي رحمه الله: «كأنّه تخيير للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و لمن يقوم مقامه من الإمام و القاضي، إن تحاكم إليهم الكفّار، بين أن يحكموا بينهم بالعدل الذي هو الحقّ في نفس الأمر و هو مقتضى الإسلام، و بين أن يعرضوا عنهم، بأن يحيلوهم إلى حكّامهم يحكمون بينهم بمقتضى شرعهم إن كان في شرعهم فيه حكم، كما ذكر أصحابنا.»[١] و يرد على الاستدلال بالآية بأنّه أوّلًا: كيف استفيد من قوله تعالى: «أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» التسليم إلى أهل نحلتهم و التخيير في ذلك. و ثانياً: إنّ من لاحظ الآيات الواردة في سورة المائدة من رقم ٤١ إلى ٤٨ يجد أنّ المستفاد من هذه الآيات الكريمة هو أنّ طائفة من اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان بأفواههم و لكن لم تؤمن قلوبهم- كانوا سمّاعون للكذب، أكّالون للسحت، محرّفون لأحكام دينهم- جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يبتغون منه حكماً بغير ما أنزل اللَّه، خلافاً للقسط و العدل.
و كان قصدهم أن يرفضوا حكمه إذا لم يكن مطابقاً لمبتغاهم، و أن يظهروا له العداوة و البغضاء، في حين أنّ حكم المسألة في التوراة كان أيضاً مطابقاً لما أنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، و لكنّهم أعرضوا عنه و طلبوا منه صلى الله عليه و آله و سلم الحكم، لا بما اقتضاه إيمانهم برسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، بل لاتّباعهم أهواءهم و أغراضهم الفاسدة.
فأنزل اللَّه تبارك و تعالى هذه الآيات على رسوله صلى الله عليه و آله و سلم دالّةً على أنّ هذه الطائفة لم تأت إليه صلى الله عليه و آله و سلم لتأخذ حكم اللَّه، بل لأن يأخذوا منه صلى الله عليه و آله و سلم حكماً على خلاف ما أنزل اللَّه، و يصير ذلك وسيلة لمقاصدهم الشريرة الخبيثة.
و كانوا مع ذلك في إصرارهم على التحريف سالكين سبيل الوعد و الوعيد، و إعراضهم عمّا في التوراة، باعتبار أنّه مخالف لما يطلبونه.
و حيال هذا الأمر فقد هدى اللَّه و أرشد رسوله صلى الله عليه و آله و سلم بأنّ له أن يحكم و له أن يعرض
[١]- زبدة البيان في أحكام القرآن، ص ٦٨٤- و راجع أيضاً: مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، ج ٤، ص ٢٣٨.