فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٠٧ - القول الثالث التوقف في المسألة
مضمونها عامّ يشمل البيّنة و التصدّي للجلد أيضاً، إذ المورد لا يكون مخصّصاً.
ثمّ إنّا قد نقلنا في صدر البحث عن المفيد و الطوسي و ابن البرّاج رحمهم الله قولهم: إنّه لا ينبغي أن يحضر الجلد- كما في المقنعة- أو الحدّ- كما في النهاية و المهذّب- إلّا خيار الناس، و مرادهم من ذلك أنّه لا ينبغي أن يحضر لإقامة الحدّ و جلد الزاني إلّا الخيار، و حكمته أنّه لمّا كانت ثمرة إقامة الحدّ الردع عن المنكر و الزجر، فقبح عرفاً أن يؤاخذ على الشيء مَن هو مرتكب له و هو فاسق و عاصٍ، إذ هو مستحقّ للتأديب، فكيف ينهض لتأديب غيره. و أمّا حضورهم للاتّعاظ و الانزجار فلا منع فيه، و حينئذٍ فلا يرد على الشيخ الطوسي رحمه الله و أمثاله ما قد يقال بأنّهم ذكروا قبل ذلك: ينبغي للوالي أن يشعر الناس بالحضور، ثمّ يجلد بمحضر منهم لينزجروا عن مواقعة مثله، و إذا كان المراد الزجر فحضور الفسّاق أولى في الزجر و الردع، فلمَ ذكروا أنّه لا ينبغي حضورهم.
نعم، لا ينبغي إقامة الحدّ في محضر جماعة يحضرون للشماتة، أو للتفرّج و اللعب، كما هو عادة أوغاد الناس، و لا سيّما إذا صارت الإقامة موجبة لوهن أحكام الشريعة و الحدود الإلهيّة. بل ينبغي للوالي طرد هؤلاء الأدنياء و السفلة، فقد ورد في الخبر: «أتي أمير المؤمنين عليه السلام و هو بالبصرة، برجل يقام عليه الحدّ، قال: فلمّا قربوا، و نظر في وجوههم، قال: فأقبل جماعة من الناس، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا قنبر! انظر ما هذه الجماعة؟ قال: رجل يقام عليه الحدّ. قال: فلمّا قربوا و نظر في وجوههم، قال: لا مرحباً بوجوه لا ترى إلّا في كلّ سوء، هؤلاء فضول الرجال، أمطهم[١] عنّي يا قنبر.»[٢] قال المحدّث الكاشاني رحمه الله في شرح الحديث: «يقام عليه الحدّ: أي ليقام. و في عبارة الراوي تكرار غير محمود، و لعلّ قوله: «قال: فلمّا قربوا و نظر في وجوههم» أوّلًا من زيادة
[١]- أماطه: أبعده و نحّاه.
[٢]- وسائل الشيعة، الباب ٢٢ من أبواب مقدّمات الحدود، ح ١، ج ٢٨، ص ٤٥.