فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٥٨١ - القول الثاني أنه إن فر قبل إصابة الحجارة به أعيد، و إن فر بعد إصابة الحجر به فلا يعاد
ثمّ إنّه لا يسقط الجلد بالفرار مطلقاً، سواء أ كان ثبوت الجناية بالإقرار أم بالبيّنة، و ذلك لإطلاق أدلّة الجلد و عدم الدليل على السقوط، و لا فرق في ذلك بين كون هربه قبل الجلد أم في أثناءه، و يؤيّد ذلك بتصريح ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن جعفر بن محمّد، عن عبد اللَّه، عن محمّد بن عيسى بن عبد اللَّه، عن أبيه، قال:
«قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: الزاني يجلد فيهرب بعد أن أصابه بعض الحدّ، أ يجب عليه أن يخلّى عنه و لا يردّ كما يجب للمحصن إذا رجم؟ قال: لا، و لكن يردّ حتّى يضرب الحدّ كاملًا. قلت: فما فرق بينه و بين المحصن و هو حدّ من حدود اللَّه؟ قال: المحصن هرب من القتل و لم يهرب إلّا إلى التوبة، لأنّه عاين الموت بعينه، و هذا إنّما يجلد فلا بدّ من أن يوفّي الحدّ، لأنّه لا يقتل.»[١] و الحديث مجهول ب: «جعفر بن محمّد». و المراد ب: «عبد اللَّه»، هو عبد اللَّه بن محمّد بن عيسى الأشعري، و يقال له: «بنان محمّد»، و لم يرد فيه مدح و لا توثيق، و هو أخو أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعريّ القميّ. و يروي هنا عبد اللَّه عن أبيه، محمّد بن عيسى الأشعريّ.
و أمّا العامّة، فذهب جملة من فقهاءهم- منهم عطاء، و يحيى بن يعمر، و الزهري، و حمّاد، و مالك، و الثوري، و الشافعي، و إسحاق، و أبو حنيفة، و أبو يوسف- إلى أنّه إذا هرب المحدود و كان مقرّاً لم يتبع و كفّ عنه، و لكن قال الحسن و سعيد بن جبير و ابن أبي ليلى: يقام عليه الحدّ و لا يترك، لأنّ ماعزاً هرب فقتلوه و لم يتركوه، و روي أنّه قال: ردّوني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، فإنّ قومي هم غرّوني من نفسي و أخبروني أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم غير قاتلي، فلم ينزعوا عنه حتّى قتلوه، و لو قبل رجوعه للزمتهم ديته.
و أمّا إذا ثبت الرجم بالبيّنة ففرّ، فاتّفق فقهاءهم على إعادته و رجمه حتّى يموت.[٢]
[١]- وسائل الشيعة، الباب ٣٥ من أبواب حدّ الزنا، ح ١، ج ٢٨، ص ١٤٠.
[٢]- راجع: المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، صص ١٢٤ و ١٧٣ و ١٧٤- المبسوط للسرخسي، ج ٩، ص ٦٩- التشريع الجنائيّ الإسلاميّ، ج ٢، ص ٤٤٥- سقوط العقوبات في الفقه الإسلاميّ، ج ٢، ص ٧٥.