فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٣٢٠ - الفرع الأول في عفو الإمام عن الحد
و قد أمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم برجم ماعز، و الغامديّة، و قطع الذي أقرّ بالسرقة، و لا شكّ أنّهم جاءوه تائبين، معترفين على أنفسهم، يطلبون أن يتطهّروا من ذنوبهم بإقامة الحدّ عليهم، و قد سمّى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فعلهم توبة، فقال في حقّ المرأة: «لقد تابت توبة لو قسّمت على سبعين من أهل المدينة، لوسعتهم».
و ليس هناك شبهاً بين المحارب و سائر المجرمين حتّى يقاس أحدهما على الآخر، فالمحارب شخص لا يُقدَر عليه، فجعلت التوبة مسقطة لعقوبته إذا تاب قبل القدرة عليه، لتشجيعه على التوبة و الامتناع عن الإفساد في الأرض. و أمّا المجرم العاديّ فهو شخص مقدور عليه دائماً، فليس ثمّة ما يدعو لإسقاط العقوبة عنه بالتوبة، مضافاً إلى أنّ القول بسقوط العقوبة بالتوبة، يؤدّي إلى تعطيل العقوبات، لأنّ كلّ مجرم لا يعجز عن ادّعاء التوبة.
الثانية: و هي نظريّة بعض الفقهاء في مذهب الشافعي، و مذهب أحمد، و ملخّص كلامهم أنّ التوبة تسقط العقوبة، و ذلك لأنّ الكتاب نصّ على سقوط عقوبة الحرابة بالتوبة، مع أنّ جريمة المحارب من أشدّ الجرائم، فالأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم، و أيضاً أنّ القرآن لمّا جاء بعقوبة الزنا الأولى رتّب على التوبة منع العقوبة، فقال عزّ و جلّ: «وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما، فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما»[١]، و قال تعالى بعد ذكر حدّ السارق: «فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ»[٢]، و قال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم: «الندم توبة، و التائب من الذنب كمن لا ذنب له»[٣]؛ و معلوم أنّ من لا ذنب له لا حدّ عليه، و أيضاً قال صلى الله عليه و آله و سلم في ماعز لمّا أخبر بهربه: «هلّا
[١]- النساء( ٤): ١٦.
[٢]- المائدة( ٥): ٣٩.
[٣]- راجع لمصادره: الفقه الإسلاميّ و أدلّته، ج ٦، ص ١٧١، الهامش ١.