فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٢٤٩ - القول الرابع عدم الجواز مطلقا
بل، بملاحظة ما مرّ يمكن أن يقال: إنّه لا يجوز له الفحص، و التتبّع، و تعقيب الأمر للكشف عن الواقع. فمن فعل ذلك و حصل له العلم، فلا تجوز له إقامة الحدّ مستنداً إلى هكذا علم.
أجل، هذا إذا كان العلم الحاصل للقاضي مستنداً إلى الحدس و لو قريباً من الحسّ، و أمّا إذا كان مستنداً إلى الحسّ، كأن نظر نفس الحاكم إلى من يزني، فيمكن القول بجواز إجراء الحدّ بعلمه. و يؤيّده خبر الحسين بن خالد، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «سمعته يقول:
الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ، و لا يحتاج إلى بيّنة مع نظره، لأنّه أمين اللَّه في خلقه ...»[١] اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه بملاحظة الشرائط المقرّرة لإثبات الحدّ أو التعزير في الجرائم الأخلاقيّة الجنسيّة التي لا تحصل في أغلب الموارد، و أيضاً بملاحظة السيرة المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و أمير المؤمنين عليه السلام من الستر و التخفيف فيها، و ما علم من ديدن الشارع من عدم محبوبيّة تشييع الفاحشة و الجهر بالسوء، يظهر عدم ابتغاء الشرع المقدّس لتنفيذ الحدود بمثل تلكم الطرق، ما عدا الإقرار و البيّنة. أضف إلى ذلك قاعدة درء الحدود بالشبهات.
و كيف كان فلا يستفاد من ظاهر عبارة المحقّق رحمه الله هنا: «و يثبت الزنا بالإقرار أو البيّنة» أنّه لا يعمل بالعلم، و ذلك بقرينة ما مرّ من عبارته في كتاب القضاء، و أيضاً بقرينة ما يأتي في هذا الكتاب في المسألة الخامسة، حيث قال: «يجب على الحاكم إقامة حدود اللَّه تعالى بعلمه؛ كحدّ الزنا»[٢]، بل ما سلكه من ذكر الطريقين المذكورين شيء كان متعارفاً بين القدماء، ثمّ حذا حذوه المتأخّرون.
ثمّ إنّه على فرض حجّيّة علم القاضي في الجرائم الجنسيّة، توجد هنا مسائل جديدة؛
[١]- نفس المصدر، الباب ٣٢ منها، ح ٣، صص ٥٧ و ٥٨.
[٢]- شرائع الإسلام، ج ٤، ص ١٤٥.