فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٧٤
المربّي للأجيال من علماء هذه الأمّة وعامتها ، وهو المفسّر الكبير والأديب ذو الحسّ المرهف الرقيق ، وهو القائد الملهم الذي عزّ نظيره في التأريخ البشري على مستوى القيادات البشرية ما خلا الأنبياء والأوصياء ، وهو الشجاع الذي لم يداخله خوف من بشر قط طوال عمره كما هو ينعت نفسه ، وهو العابد الزاهد البكّاء المتهجّد . . . هذه كلمات متواضعة تتناسب مع مقدار ما ظهر من هذه الشخصية ، لا مع واقعها ( وثبوتها ) الذي كلّما اقترب منه الإنسان ـ كما يقول أحد تلامذته ـ ازداد له حبّاً ودهشة في نفس الوقت ، بعكس بعض العظماء من البشر الذين ربّما كلّما تقترب منه تطّلع على بعض السلبيات أو نقاط الضعف أو صدور بعض الهفوات نتيجة الغفلة أو الفهم الخاطئ للاُمور .
ومن الملفت تركيبة هذه الصفات واجتماعها فيه مع أنّ لكلّ منها طبيعة خاصّة واقتضاءً معيّناً يحدّد توجّهات الفرد ونمطية تفكيره في الداخل ممّ ينعكس على سلوكياته في الخارج التي تتأطّر هي الاُخرى وفقاً لنمطية التركبية الداخلية ، فالعارف المستغرق في عالمه الغيبي عالم الوحدة أنّى له التواصل مع عالم الكثرة والمادة فيكون ملهماً اجتماعياً وقائداً سياسياً من الطراز الأوّل وفي أعلى درجات البعد الاجتماعي والسياسي المنفتح على جميع الطبقات الاجتماعية والفئات السياسية والأوضاع الدولية والاقليمية ، فيتعاطى معها جميعاً بسلاسة وحنكة كلٌ بما يستحقّ من دون تعثّر أو تخبّط ، وهو الفقيه الاُصولي الذي لا تحجبه جدران المدرسة من أن يطلّ على الواقع فيفكّر في صياغته طبقاً للمقياس الفقهي والشرعي متحدّياً بذلك الشرق والغرب .
إنّ حالة الاستغراق في التنظير الاُصولي والفقهي قد تعيق الفقيه عن التفكير في مديات أبعد من استنباط الحكم الشرعي المبني على النزعة الفردية التي تريد ضبط سلوك الفرد على أسس فقهية دون نظر إلى سلوك الاُمّة والدولة ، فهذه أبعاد أعفت الذهنية الفقهية نفسها قروناً طويلة ـ نتيجة الظروف التاريخية والموضوعية ـ من التفكير فيها فضلاً عن العزم على خوضها . . إنّها