منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٥٠ - الفصل الثّالث في صفة خاتمه
قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم. فاصطنع خاتما، فكأنّي أنظر إلى بياضه في كفّه.
و عن أنس أيضا: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) كتب إلى كسرى، (قيل له)- أي: قال له رجل، قيل: من قريش، و قيل: من العجم- (: إنّ العجم لا يقبلون)- أي: لا يعتمدون- (إلّا كتابا عليه خاتم)- بالفتح و الكسر- أي: نقش خاتم، فهو على تقدير مضاف. و عدم قبولهم له! لأنّه إذا لم يختم تطرّق إلى مضمونه الشكّ؛ فلا يعملون به، و لأنّ ترك ختمه تشعر بترك تعظيم المكتوب إليه، بخلاف ختمه، فإنّ فيه تعظيما لشأنه.
(فاصطنع خاتما)؛ أي: فلأجل ذلك أمر بأن يصطنع له خاتم، فالتركيب فيه مجاز عقلي، على حد قولهم: بنى الأمير المدينة؛ و الصانع له كان يعلى بن أمية.
(فكأنّي أنظر إلى بياضه)، أي: بياض الخاتم، لأنه كان من فضة (في كفّه). ظاهره أنّه من باطن أصبعه، و في ذلك إشارة إلى كمال إتقانه، و استحضاره لهذا الخبر حال الحكاية، كأنّه يخبر عن مشاهدة.
و يدلّ هذا الحديث على مشروعيّة المراسلة بالكتب، و قد جعل اللّه ذلك سنّة في خلقه، أطبق عليها الأوّلون و الآخرون. و أوّل من استفاض ذلك عنه نبيّ اللّه سليمان (عليه الصلاة و السلام)، إذ أرسل كتابه إلى بلقيس مع الهدهد.
و يؤخذ منه ندب معاشرة الناس بما يحبّون، و ترك ما يكرهون و استئلاف العدوّ بما لا يضرّ، و لا محذور فيه شرعا؛ قاله المناوي.
(و) في «الصحيحين» و «الشمائل الترمذيّة»،- و اللّفظ لها-: (عن أنس أيضا) (رضي الله تعالى عنه) (أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) كتب)- أي: أراد أن يكتب ليوافق الرواية السابقة- (إلى كسرى)- بكسر أوّله و فتحه-: ملك فارس، و هو معرّب خسرو- بفتح الخاء، و سكون السين، و فتح الراء- أي: واسع الملك. و النسبة إليه «كسرويّ»، و إن شئت «كسريّ». و عن أبي عمرو: جمع كسرى: أكاسرة على غير