منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٦٢ - الفصل الخامس في صفة طيبه
و الطّيب، و جعلت قرّة عيني في الصّلاة».
(و الطّيب،) لأنّه حظّ الملائكة، و لا غرض لهم في شيء من الدنيا سواه، فكأنّه يقول: حبّي لهاتين إنما هو لأجل غيري، قال الطيبي: جيء بالفعل مجهولا!! دلالة على أنّ ذلك لم يكن من جبلّته و طبعه، و أنه مجبور على هذا الحبّ؛ رحمة للعباد و رفقا بهم، بخلاف الصلاة فمحبوبة له بذاتها فلذا قال:
(و جعلت قرّة عيني)- فرحها و سرورها- (في الصّلاة») ذات الركوع و السجود، لأنّها محلّ المناجاة و معدن المصافاة.
و قيل: المراد صلاة اللّه و ملائكته عليه، و منع بأنّ السياق يأباه.
و قدّم النساء!! للاهتمام بنشر الأحكام و تكثير سواد الإسلام، و أردف بالطّيب؛ لأنّه من أعظم الدوعي لجماعهنّ، مع حسنه بالذّات و كونه كالقوت للملائكة، و أفرد الصلاة عنهما!! لأنّها غيرهما بحسب المعنى، إذ ليس فيها تقاضي شهوة نفسانية؛ كما فيهما.
قال العلامة ابن الحاج في كتابه «المدخل»: و انظر إلى حكمة قوله (عليه الصلاة و السلام) «حبّب إليّ» و لم يقل: أحببت، و قال «من دنياكم»، فأضافها إليهم؛ دونه (عليه الصلاة و السلام)، فدلّ على أن حبّه كان خاصّا بمولاه تبارك و تعالى، فلذا غاير؛ فقال: «و جعلت قرّة عيني في الصّلاة»، فكان (عليه الصلاة و السلام) بشري الظّاهر؛ ملكوتي الباطن، و كان (عليه الصلاة و السلام) لا يأتي إلى شيء من الأحوال البشرية إلّا تأنيسا لأمّته و تشريعا لها، لا لأنّه محتاج إلى شيء من ذلك بحيث لو تركه لأضرّ به، أ لا ترى إلى قوله تعالى (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) [٥٠/ الأنعام]، فقال «لكم» و لم يقل «إني ملك»؛ فلم ينف الملكية عنه إلّا بالنسبة إليهم، أعني بكونه ملكا في معانيه (عليه الصلاة و السلام)؛ لا في ذاته الكريمة، إذ أنه (عليه الصلاة و السلام) يلحق بشريته ما يلحق البشر، و لهذا قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار، و هذا منه (رحمه الله تعالى) على