منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ١٨٧ - الفصل الأوّل في جمال صورته
و خصّ الإظهار بحالة كون آدم بين الروح و الجسد!! لأنّه أوان دخول الأرواح إلى عالم الأجساد، و التمايز حينئذ أتمّ و أظهر فاختصّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بزيادة إظهار شرفه حينئذ، ليتميّز على غيره تميّز أظهر و أتمّ.
و أجاب الغزالي في بعض كتبه عن وصف نفسه بالنبوة قبل وجود ذاته، و خبر «أنا أوّل الأنبياء خلقا و آخرهم بعثا»: بأن المراد بالخلق هنا التقدير، لا الإيجاد، فإنه قبل أن تحمل به أمّه لم يكن مخلوقا موجودا، و لكن الغايات و الكمالات سابقة في التقدير؛ لا حقة في الوجود. فقوله: «كنت نبيّا»- أي: في التقدير- قبل تمام خلقة آدم. إذ لم ينشأ إلّا لينتزع من ذريّته محمد (صلّى اللّه عليه و سلم). و تحقيقه أنّ للدار في ذهن المهندسين وجودا ذهنيّا؛ سببا للوجود الخارجي و سابقا عليه، فاللّه تعالى يقدّر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا. انتهى.
و ذهب السبكي إلى ما هو أحسن و أبين؛ و هو أنّه جاء: «إنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد». و الإشارة ب «كنت نبيّا» إلى روحه الشريفة، أو حقيقة من حقائقه لا يعلمها إلّا اللّه تعالى، و من حباه بالاطلاع عليها.
ثم إنّ اللّه تعالى يؤتي كلّ حقيقة منها ما شاء؛ في أيّ وقت شاء، فحقيقته (صلّى اللّه عليه و سلم) قد تكون من قبل خلق آدم آتاها اللّه ذلك الوصف بأن خلقها متهيئة له؛ و أفاضه عليه فصار نبيا، و كتب اسمه على العرش ليعلم ملائكته و غيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت؛ و إن تأخّر جسده الشريف المتّصف بها؛ فحينئذ فإيتاؤه النبوة و الحكمة و سائر أوصاف حقيقته و كمالاته معجّل لا تأخير فيه، و إنما المتأخّر تكوّنه و تنقّله في الأصلاب و الأرحام الطاهرة إلى أن ظهر (صلّى اللّه عليه و سلم). و من فسّر ب (علم اللّه تعالى أنّه سيصير نبيّا)!! لم يصل لهذا المعنى، لأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، فالوصف بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنّه أمر ثابت له، و إلّا لم يختصّ بأنه نبيّ حينئذ، إذ الأنبياء كلّهم كذلك بالنسبة لعلمه تعالى.
و قال العماد ابن كثير؛ في تفسير قوله تعالى (وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) الآية [٨١/ آل عمران]: