منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٦٤ - الفصل الخامس في صفة طيبه
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:
فلم يذكر الماء، و هذا عندهم يسمّى «طيّا»، و هو: أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه و يسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلّم، كإبهامه على السامع، لعدم إرادة المتكلّم وقوف السامع عليه لنكتة، و أنشد الزّمخشريّ شاهدا عليه قول جرير:
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * * * من العبيد و ثلث من مواليها
فصرّح بذكر ثلثين و طوى ذكر الثالث، كأنه قيل: و الثالث من الأخيار الذين ليسوا موالي و لا عبيدا، و فائدة الطيّ عندهم: تكثير ذلك الشيء، لتذهب النفس كلّ مذهب ممكن، لكن هذا التكلّف إنّما يجيء لو ورد لفظ «ثلاث» و لم يرد!!.
فقد (قال شيخ الإسلام) شهاب الملّة و الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد أبو الفضل (الحافظ ابن حجر): لقب لبعض آبائه، الكناني العسقلاني القاهريّ الشافعي، الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث و علله في الأزمنة المتأخّرة.
ولد في ثاني عشر شعبان سنة:- ٧٧٣- ثلاث و سبعين و سبعمائة بمصر.
و نشأ بها يتيما في كنف أحد أوصيائه فحفظ القرآن؛ و هو ابن تسع، و تفقّه بالبلقيني و البرماوي و ابن الملقّن و العزّ بن جماعة، و عليه أخذ غالب العلوم الآلية و الأصولية، ثم حبّب اللّه إليه فنّ الحديث، فأقبل عليه بكلّيّته فعكف على الزين العراقي و حمل عنه علم الحديث؛ سندا و متنا، و عللا و اصطلاحا.
و ارتحل إلى بلاد الشام و الحجاز و اليمن و مكة، و أكثر جدا من المسموع و الشيوخ، و سمع العالي و النازل، و اجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره، و أدرك من الشيوخ جماعة كلّ واحد رأس في فنّه الذي اشتهر به؛ فالتنوخيّ في معرفة القراءات، و العراقيّ في الحديث، و البلقينيّ في سعة الحفظ و كثرة الاطلاع، و ابن الملقّن في كثرة التصانيف، و المجد صاحب «القاموس» في حفظ اللغة، و العزّ بن جماعة في تفنّنه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها.