منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٦٨ - مقدمة المؤلف
و خاطبه بما عبس له وجه السّيف و احتدّ له لسان السّنان ...
غيرة عليه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن تنتهك حرمته؛ كما وقع له مع قومه الذين وطئوا ظهره، و أدموا وجهه، و كسروا رباعيته، فأبى أن يقول إلّا خيرا. و قال: «اللّهمّ؛ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون». و لما تصدّى له غورث بن الحارث ليفتك به و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ناحية تحت شجرة وحده قائلا؛ و الناس قائلون في غزوة ذات الرقاع، فلم يستيقظ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلّا و هو قائم بيده السيف صلتا. فقال: من يمنعك مني؟. فقال:
«اللّه». فسقط السيف من يده، فأخذه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ و قال: «من يمنعك منّي؟» قال: كن خير آخذ. فتركه و عفا عنه، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. (صلّى اللّه عليه و سلم).
و عن أنس (رضي الله عنه) قال: كنت عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ و عليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد؛ احمل لي على بعيريّ هذين من مال اللّه الذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك؛ و لا من مال أبيك. فسكت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: «المال مال اللّه و أنا عبده»، ثم قال: «و يقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي!» قال: لا.
قال: «و لم؟» قال: لأنّك لا تكافىء بالسيئة السيئة!! فضحك النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير و على آخر تمر.
و إسناد الغضب إلى الزمان و المكان مجار عقلي لوقوعه فيهما.
(و) كم من أعرابي غليظ الطبع (خاطبه) (صلّى اللّه عليه و سلم) (بما)، أي: بكلام خشن (عبس) من باب (ضرب) عبوسا: قطب وجهه فهو عابس (له)، أي: لأجل هذا الكلام (وجه السّيف، و احتدّ) أي: غضب (له لسان السّنان)- بكسر السين؛ ككتاب. المراد به الرمح- و معناه في الأصل: نصل الرمح؛ أي:
حديدته. يعني أنّه استحق القتل، فكأنّ السيف و الرمح هاج بهما الغضب على هذا الأعرابي يريدان الانتقام منه؛ نصرة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). كما وقع له (صلّى اللّه عليه و سلم) مع الرجل الذي قال له: اعدل؛ فإنّ هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه تعالى، فلم يردّ عليه إلّا بقوله: