منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٠٦ - الفصل الثّامن في صفة ضحكه
فقالت: أ لست أراك تبكي؟ قال: «إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه؛ و هو يحمد اللّه عزّ و جلّ».
الشريعة. و الصياح؛ و هو: رفع الصوت بالبكاء حرام، لكنّها لما رأت دمع عينيه ظنت حلّه؛ (فقالت: أ لست أراك تبكي)؟ فأنا تابعتك و اقتديت بك، و ظنّي جواز البكاء؛ و إن اقترن بنحو صياح!!
(قال: «إنّي لست أبكي) بكاء على سبيل الجزع و عدم الصبر كبكائك، و لا يصدر عني ما نهى اللّه عنه من الويل و الثبور و الصياح و غير ذلك، بل بكائي دمع العين فقط (إنّما هي)؛ أي: الدمعة التي رأيتها (رحمة»)؛ أي أثر رحمة جعلها اللّه تعالى في قلبي.
و لا ينافي هذا قول عائشة (رضي الله تعالى عنها) (ما بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على ميت قطّ و إنّما غاية حزنه أن يمسك لحيته) لأنّ مرادها ما بكى على ميت أسفا عليه بل رحمة له.
و يؤيّده ما ورد: «إنّ العين تدمع و القلب يحزن، و لا نقول إلّا ما يرضي الرّبّ، و إنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»؛ قاله ملا علي قاري في «جمع الوسائل» (رحمه الله).
ثمّ إنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيّن وجه كونها رحمة؛ فقال: (إنّ المؤمن)- الكامل ملتبس- (بكلّ خير على كلّ حال)- من نعمة أو بلية، لأنه يحمد ربّه على كلّ منهما، أما النعمة! فظاهر، و أما البلية! فلأنه يرى أنّ المحنة عين المنحة لما يترتّب عليها من الثواب، كما قال:- (إنّ نفسه)- أي: روحه- (تنزع)- بصيغة المفعول؛ أي: تقبض- (من بين جنبيه؛ و هو)- أي و الحال أنه- (يحمد اللّه عزّ و جلّ)، فلا تشغله تلك الحالة من الحمد.
قال في «جمع الوسائل»: و المعنى ينبغي أن يكون المؤمن الكامل ملابسا بكلّ خير على كلّ حال من أحواله، حتّى أنه في نزع روحه يحمد اللّه تعالى، و يراه من اللّه سبحانه رحمة له و كرامة، و خيرا له من حياته، فإن الموت تحفة المؤمن و هدية الموقن. انتهى.