منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٦٩ - مقدمة المؤلف
فكان جوابه الإغضاء، و العفو عمّن أساء، بل أدناه و قرّبه، و ما لامه و ما أنّبه، بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب ...
«و يحك فمن يعدل إن لم أعدل!! خبت و خسرت إن لم أعدل»، و نهى من أراد من أصحابه قتله.
و في الكلام استعارتان بالكناية؛ حيث شبّه كلا من السيف و السنان بإنسان يريد الانتقام نصرة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). و حذف المشبّه به الذي هو الإنسان، و رمز له بشيء من لوازمه؛ و هو الوجه و اللسان، و العبوس و الاحتداد (ترشيح) [١].
(فكان جوابه) (صلّى اللّه عليه و سلم) لذلك المسيء (الإغضاء)، أي: الإمساك و عدم المؤاخذة. و في «المصباح»: أغضى عينيه: قارب بين جفنيهما. ثم استعمل في الحلم فقيل: أغضى؛ إذا أمسك عفوا عنه. و في «المحكم»: أغضى على قذى، صبر على أذى. انتهى.
(و) كان جوابه (العفو عمّن أساء)، لأنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لا ينتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمات اللّه تعالى؛ فينتقم للّه. كما عفا عن اليهودية التي سمّته في الشاة بعد اعترافها، و لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره؛ و قد أعلم به و أوحي إليه بشرح أمره!! (بل أدناه)؛ أي: ذلك الأعرابي المسيء (و قرّبه) عطف تفسير، (و ما لامه): عذله، (و ما أنّبه) أي: عنّفه. يقال: أنّبه تأنيبا: عنّفه و لامه و وبّخه، و التأنيب أشدّ العذل؛ و هو التوبيخ و التثريب. و التأنيب المبالغة في التوبيخ و التعنيف، و منه حديث توبة كعب بن مالك: ما زالوا يؤنّبوني.
(بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة) أي: صبّته (في قالب)- بفتح اللام و كسرها-: هو الشيء يفرغ فيه الجواهر ليكون مثالا لما يصاغ منها، و هو دخيل.
و الصواب أنّه معرّب، و أصله كالب، لأن هذا الوزن ليس من أوزان العرب ك «الطابق» و نحوه؛ و إن ردّه الشهاب في «شرح الشفاء» بأنه غير صحيح، فإنها
[١] الترشيح: ضرب من ضروب البلاغة، بمعنى: تأكيد المعنى السابق.