منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٠٤ - الفصل الأوّل في جمال صورته
و أصدق النّاس لهجة، و ألينهم عريكة، و أكرمهم عشرة، من رآه بديهة .. هابه، ...
أمزجتهم، كما أن ضيق الصّدر كناية عن الملل. انتهى «باجوري».
(و أصدق النّاس لهجة)- بسكون الهاء و تفتح؛ و الفتح أفصح- و اللهجة: هي اللسان. لكن لا بمعنى العضو المعروف؛ بل بمعنى الكلام. لأنه هو الذي يتّصف بالصّدق؛ فلا مجال لجريان صورة الكذب في كلامه. و وضع الظاهر موضع المضمر في قوله «أصدق الناس»!! لزيادة التمكّن؛ كما في قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ) (٢) [الإخلاص]. و إنما لم يجر على سننه فيما بعد!! اكتفاء في حصول النكتة بهذا.
(و ألينهم عريكة) ألين، من اللّين؛ و هو ضدّ الصلابة. و العريكة: الطبيعة؛ وزنا و معنى، و معنى لينها: انقيادها للخلق في الحقّ. فكان معهم على غاية من التواضع و قلّة الخلاف و النفور. و هذه الجملة منبئة عن كمال مسامحته (صلّى اللّه عليه و سلم) و وفور حلمه؛ ما لم تنتهك حرمات اللّه تعالى.
(و أكرمهم عشرة)- بالكسر- اسم من المعاشرة؛ و هي المخالطة.
فمعاشرته (صلّى اللّه عليه و سلم) و مخالطته أكرم من جميع مخالطة الناس كما يدلّ عليه قوله: (من رآه بديهة)؛ أي: رؤية بديهة، فهو مفعول مطلق، يعني فجأة من غير سابقة مخالطة و معرفة أحواله، أو قبل النظر في أخلاقه العليّة و أحواله السّنيّة (هابه)؛ أي: خافه لما فيه من صفة الجلال الربّانيّة، و لما عليه من الهيبة الإلهية و الفيوضات السماوية.
قال ابن القيّم: و الفرق بين المهابة و الكبر: أنّ المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الربّ و محبّته و إجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حلّ فيه النور، و نزلت عليه السكينة، و ألبس رداء الهيبة؛ فكلامه نور؛ و علمه نور، إن سكت علاه الوقار، و إن نطق أخذ بالقلوب و الأبصار.
و أما الكبر! فإنّه أثر من آثار امتلاء القلب بالجهل و الظلم و العجب. فإذا امتلأ القلب بذلك ترحّلت عنه العبودية، و تنزّلت عليه الظلمات الغضبية، فمشيته بينهم