منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤١٦ - الفصل التّاسع في صفة كلامه
و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا جلس يتحدّث .. يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء.
كثيرا. و جرى عليه ابن القيّم؛ فقال: هذا في السلام على جمع كثير لا يبلغهم سلام واحد، فيسلّم الثاني و الثالث؛ إذا ظنّ أنّ الأول لم يحصل به إسماع، و لو كان هديه دوام التسليم ثلاثا؛ كان صحبه يسلّمون عليه كذلك، و كان يسلّم على كلّ من لقيه ثلاثا، و إذا دخل بيته سلّم ثلاثا، و من تأمّل هديه علم أنّه ليس كذلك، و أن تكرار السلام كان أحيانا لعارض. إلى هنا كلامه.
قال الكرماني: و الوجه أنّ معناه: كان إذا أتى قوما يسلّم تسليمة الاستئذان، ثم إذا قعد سلّم تسليم التحية، ثم إذا قام سلّم تسليمة الوداع، و هذه التسليمات كلّها مسنونة، و كان يواظب عليها.
انتهى؛ قاله المناويّ في «كبيره» مع شيء من العزيزي و الحفني.
(و) أخرج أبو داود، و البيهقيّ في «دلائل النبوة» بإسناد حسن؛ عن عبد اللّه بن سلام- بالفتح و التخفيف- الإسرائيليّ الصحابي الجليل (رضي الله تعالى عنه) قال: (كان) رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم) إذا جلس يتحدّث يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء)؛ انتظارا لما يوحى إليه و شوقا إلى الرفيق الأعلى؛ ذكره الطيبي.
و قوله «جلس يتحدّث»! خرج به حالة الصلاة، فإنّه كان يرفع بصره فيها إلى السماء أوّلا حتّى نزلت آية الخشوع في الصلاة فتركه.
فإن قلت: ينافيه أيضا ما ورد في عدّة أخبار: أن نظره إلى الأرض كان أكثر من نظره إلى السماء!!؟
قلت: يمكن الجواب بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال و الأوقات، فإذا كان مترقّبا لنزول الوحي عليه متوقعا هبوط الملك إليه؛ نظر إلى جهته شوقا إلى وصول كلام ربّه إليه، و استعجالا و مبادرة لتنفيذ أوامره، و كان في غير هذه الحالة نظره إلى الأرض أطول؛ ذكره المناوي في «كبيره».