منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤١٧ - الفصل التّاسع في صفة كلامه
و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يحدّث حديثا، لو عدّه العادّ .. لأحصاه.
(و) أخرج البخاريّ، و مسلم، و أبو داود؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: ما (كان) رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم)) يسرد الحديث سردكم هذا! كان (يحدّث حديثا)؛ ليس بمهذرم مسرع، و لا متقطّع يتخلّله السّكتات بين أفراد الكلم، بل يبالغ في إيضاحه و بيانه بحيث (لو عدّه العادّ)، أي: لو أراد المستمع عدّ كلماته أو حروفه (لأحصاه)، أي: أمكنه ذلك بسهولة، و المراد بذلك: المبالغة في التفهيم و الترتيل، و هذا أتت به عائشة (رضي الله تعالى عنها) تعرّض بأبي هريرة (رضي الله تعالى عنه).
و صدر الحديث: عن عروة؛ عنها أنّها قالت: أ لا يعجبك أبو فلان- و لفظ «مسلم»: أبو هريرة- جاء فجلس إلى جانب حجرتي؛ يحدث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يسرد، يسمعني ذلك؛ و في رواية: فقال: أ لا تسمعين يا ربّة الحجرة!! و كنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، و لو أدركته لرددت عليه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما كان ... فذكرت الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: و اعتذر عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)؛ بأنّه كان واسع الرّواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكّن من التّرتيل عند إرادة التّحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم عليّ القوافي.
و من حديث عائشة المذكور أخذ أنّ على المدرّس أن لا يسرد الكلام سردا، بل يرتّله و يزيّنه و يتمهل ليتفكّر فيه هو و سامعه، و إذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلا ليتكلّم من في نفسه شيء. انتهى «مناوي».
و أخرج التّرمذيّ في «الجامع»، و «الشّمائل»، و الحاكم؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعيد الكلمة ثلاثا حتى تعقل عنه»؛ أي: ليتدبّرها السّامعون، و يرسّخ معناها في القوّة العاقلة.
و فيه أن الثّلاثة غاية الإعذار و البيان؛ كما قال ابن التين، فمن لم يفهم بها لا يفهم بما زيد عليها؛ و لو مرّات عديدة.