رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٥٩ - الفصل الثاني في معجزاته و معالي اموره و جملة من أحواله
حتّى عبرنا نهر بلخ ليلا فذهب مولى الجارية يحصل لنا شيئا و يقتبس لنا نارا فأخذت الجارية إلى غيظة كانت هناك و واقعتها و انصرفت إلى موضعي ثمّ أتى مولاها و قدمنا العراق و ما علم به أحد ثمّ حججنا من قابل فأدخلته عليه فقال: نستغفر اللّه و لا نعود فاستقامت طريقته [١].
أقول: هذا حاله (عليه السّلام) في اطّلاعه على كلّ واحد من شيعته و غيرهم، و لعلّ من يتذكّر هذا الحال وقت اكتساب الذنب يرجع عنه و إن كان العالم على الإطلاق موجودا في السرّ و العلن إلّا أنّ كثيرا من الناس يلاحظ اطّلاع البشر و يخاف منه أشدّ من خوفه من اللّه سبحانه.
و عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان أبو عبد اللّه البلخي معه فانتهى إلى نخلة خاوية فقال: أيّتها النخلة السامعة المطيعة لربّها أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك، قال:
فتساقط علينا رطب مختلف ألوانه فأكلنا حتّى شبعنا فقال البلخي: جعلت فداك كسنة فيكم سنة مريم [٢].
أقول: في خطابه سبحانه للنخلة بالسمع و الطاعة لربّها دلالة على أنّ الجمادات من الأشجار و غيرها لها نوع من المعرفة لخالقها و الإطاعة لربّها عزّ شأنه وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [٣] حتّى قالوا: إنّ الإعجاز في تسبيح الحصا بيده (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما كان في إسماع الصحابة لا في أصل التسبيح، و قد صنّف الحكيم أبو علي بن سينا رسالة في أنّ الحيوان يعشق و النبات و الجمادات تعشق و أكثر عليه من الدلائل، و لا شكّ أنّ علم العشق علم خاص فوق كثير من العلوم فمن كان له علم العشق كيف لا يكون له علم المعرفة بالخالق و قد حقّقنا هذا المقام في كتاب زهر الربيع بما لا مزيد عليه و نقلنا الأخبار الدالّة عليه و كلام الحكماء من المتقدّمين و المتأخّرين القائلين به.
و عن أبي بصير قال: حججت مع أبي عبد اللّه (عليه السّلام).
فلمّا كنّا في الطواف قلت: يا ابن رسول اللّه يغفر اللّه لهذا الخلق؟
فقال (عليه السّلام): يا أبا بصير أكثر من ترى قردة و خنازير، فقلت: أرينيهم، فتكلّم بكلمات
[١]- بصائر الدرجات: ٢٦٩، و بحار الأنوار: ٤٧/ ٧٥.
[٢]- دلائل الأمامة: ٢٦٨ ح ٣٥، و بحار الأنوار: ٤٧/ ٧٦ ح ٤٥.
[٣]- سورة الإسراء: ٤٤.