رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤٦٩ - خراب سرّ من رأى و تدارك عمارتها
فصفوه، فقال واحد: هو شيخ أبيض الرأس أبيض مشرب بحمرة و قال آخر: لا تكذب ما هو إلّا أسود أسمر اللحية و قال الآخر: لا لعمري ما هو كذلك هو كهل ما بين البياض و السمرة، فقلت: أليس زعمتم أنّكم تعرفونه انصرفوا في حفظ اللّه [١].
أقول: هذا يوضح ما تقدّم غير مرّة في هذا الكتاب من أنّهم (صلوات اللّه عليهم) يظهرون على الناس بالصور المختلفة بما يناسب أحوال الناس و تحتمله عقولهم لحكم و مصالح لا تبلغها عقولنا.
و عن أحمد بن هارون قال: كنت جالسا أعلّم غلاما من غلمانه في مفازة داره إذ دخل علينا أبو الحسن (عليه السّلام) راكبا على فرس له، فقمنا إليه فسبقنا فنزل قبل أن ندنوا منه فأخذ عنان فرسه بيده فعلّقه في طنب من أطناب الخيمة و أقبل يسألني عن انصرافي إلى المدينة متى يكون و أنّه أراد أن يكتب معي كتابا إلى بعض التجّار فأرسل غلاما يأتيه بالدواة و القرطاس، فلمّا غاب الغلام صهل الفرس و ضرب بذنبه، فقال له بالفارسية: ما هذا القلق؟ فصهل الثانية فضرب بيده، فقال له بالفارسية: اقلع فامض إلى ناحية البستان و بل هناك ورث و ارجع وقف مكانك، فرفع الفرس رأسه و أخرج العنان من موضعه ثمّ مضى إلى ناحية البستان حتّى لا نراه في ظهر الخيمة فبال وراث و عاد إلى مكانه فدخلني من ذلك ما اللّه به عليم و وسوس الشيطان في قلبي، فقال: يا أحمد لا يعظم عليك ما رأيت إنّ ما أعطى اللّه محمّدا و آل محمّد أكثر ممّا أعطى داود و آل داود.
قلت: صدق ابن رسول اللّه فما قال لك و ما قلت له فقد فهمته فقال: قال لي الفرس:
قم فاركب إلى البيت حتّى تفرغ عنّي، قلت: ما هذا القلق، قال: قد تعبت، قلت: لي حاجة اريد أن أكتب كتابا إلى المدينة، فإذا فرغت ركبتك قال: إنّي اريد أن أروث و أبول و أكره أن أفعل ذلك بين يديك، فقلت: اذهب إلى ناحية البستان فافعل ما أردت ثمّ عد إلى مكانك ففعل الذي رأيت، الحديث [٢].
أقول: في هذا الحديث دلالة على أنّ الحيوانات لها شعور و كلام و لغة يفهم بعضها من بعض و أنّ لها نفوسا ناطقة كما ذهب إليه قدماء الحكماء و الأخبار الصحيحة صريحة به.
[١]- الخرائج و الجرائح: ١/ ٤٠٣، و بحار الأنوار: ٥٠/ ١٤٨.
[٢]- الخرائج و الجرائح: ١/ ٤٠٩، و مدينة المعاجز: ٧/ ٤٨٠.