رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٢ - سلوك سلمان و أبي ذرّ رضي اللّه عنهما
سلوك سلمان و أبي ذرّ رضي اللّه عنهما
فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له: يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا و أنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا؟
فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت، أما أبو ذر فكانت له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها إذا اشتهى اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة يجز لهم الجزور أو الشاة على قدر ما يحتاجون من اللحم فيقسمه بينهم و يأخذ هو كنصيب واحد منهم و من أزهد من هؤلاء و قد قال فيهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما قال و لم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم و يؤثرون على أنفسهم و عيالاتهم.
و اعلموا أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه (عليهم السّلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال يوما: ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن إن قرض جسده في دار الدّنيا بالمقاريض كان خيرا له و إن ملك مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له و كلّ ما يصنع اللّه عزّ و جلّ به فهو خير له، فليت شعري هل يحق فيكم ما قد شرحت لكم أم أزيدكم.
أما علمتم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من الكافرين ليس له أن يولّي وجهه عنهم و من وليهم يومئذ دبره فقد تبوء مقعده من النار ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة، و أخبروني أيضا عن القضاء أجوره هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد و إنّي لا شيء لي فإن قلتم جورة ظللكم أهل الإسلام، و إن قلتم بل عدول خصمتم أنفسكم و حيث يردون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث. أخبروني لو كان الناس كلّهم زهادا كالذين تريدون لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى من كان يصدّق بكفّارات الايمان و النذور و الصدقات من فرض الزكاة من الذهب و الفضّة و التمر و الزبيب و سائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل و البقر و الغنم و غير ذلك إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن