رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٠٨ - حديث خروجه إلى الشام
و أكرمنا به فنحن صفوة اللّه على خلقه و خيرته من عباده و خلفاؤه، فالسعيد من اتّبعنا و الشقيّ من عادانا و خالفنا فسمعه مسلمة أخو هشام فأخبر هشام.
فلمّا انصرف إلى دمشق أرسل إلى عالم المدينة باشخاص أبي و إشخاصي، فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثا ثمّ أذن لنا فدخلنا و هو على سرير الملك و جنده و خواصّه وقوف على أرجلهم سماطان متسلحان و قد نصب الغرض حذاه و أشياخ قومه يرمون فقال: يا محمّد ارم مع أشياخ قومك.
فقال أبي: قد كبرت عن الرمي فهل رأيت أن تعفيني، فقال: لا أعفيك ثمّ أومى إلى شيخ من بني اميّة اعطه قوسك فأعطاه و أخذ منه سهما و رمى وسط الغرض فنصبه فيه ثمّ رمى فيه الثانية فشقّ فواق سهمه إلى نصله ثمّ تابع الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم بعضا في جوف بعض و هشام يضطرب في مجلسه فقال: أجدت يا أبا جعفر و أنت أرمى العرب و العجم ثمّ أدركته ندامة على ما قال، فهمّ بأبي و أطرق إلى الأرض يتروّى و أنا و أبي واقف حذاه.
فلمّا طال وقوفنا غضب أبي و كان إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه.
فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي قال: إليّ يا محمّد فصعد أبي السرير و أنا أتبعه فقام إليه و اعتنقه و أقعده عن يمينه ثمّ اعتنقني و أقعدني عن يمين أبي ثمّ قال: يا محمّد لا تزال العرب و العجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك للّه درّك من علّمك هذا الرمي و في كم تعلّمته؟
فقال أبي: قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيّام حداثتي ثمّ تركته فلمّا أراد منّي أمير المؤمنين ذلك عدّت فيه فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قط منذ عقلت و ما ظننت أنّ أحدا في الأرض أحدا [يرمي] [١] مثل هذا الرمي، أيرمي جعفر مثل رميك؟
فقال: إنّا نحن نتوارث الكمال و التمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيّه في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي و الأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الامور التي يقصر غيرنا عنها، فانقلبت عين هشام الحولاء و احمرّ وجهه و كان ذلك علامة غضبه ثمّ
[١]- زيادة من المصدر.