رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٠٩ - حديث خروجه إلى الشام
أطرق هنيهة و رفع رأسه فقال لأبي: ألسنا بنو عبد مناف نسبنا و نسبكم واحد؟
فقال أبي: نحن كذلك و لكنّ اللّه خصّنا من مكنون سرّه و خالص علمه بما لم يخصّ به أحدا به غيرنا، فقال: أليس اللّه جلّ ثناؤه بعث محمّدا إلى كافّة الخلق، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم من العلم؟
فقال: من قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ الذي لم يحرّك به لسانه لغيرنا أمره اللّه أن يخصّنا به فلذلك ناجا عليّا من دون أصحابه فأنزل اللّه بذلك: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): سألت اللّه أن يجعلها اذنك يا علي، فلذلك قال علي بالكوفة:
علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ألف باب من العلم ففتح كلّ باب ألف باب فكما خصّ اللّه نبيّه (عليه السّلام) خصّ نبيّه أخاه عليّا من مكنون سرّه فتوارثناه من دون أهلنا، فقال هشام: إنّ عليّا كان يدّعي علم الغيب و اللّه لم يطلع على غيبه أحدا، فمن أين ادّعى ذلك؟
فقال أبي: إنّ اللّه جلّ ذكره أنزل على رسوله كتابا بيّن فيه ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ و في قوله: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ و في قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ و أوحى اللّه إلى نبيّه أن لا يبقي في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلّا يناجي به عليّا و أمره أن يؤلف القرآن من بعده و يتولّى تجهيز موته.
و قال لأصحابه: عليّ بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بتمامه إلّا عند عليّ و لذلك قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أقضاكم عليّ يعني قاضيكم و قال عمر: لولا عليّ لهلك عمر فأطرق هشام طويلا ثمّ رفع رأسه فقال:
سل حاجتك، فقال: خلّفت أهلي و عيالي مستوحشين لخروجي، فقال: قد آنس اللّه وحشتهم برجوعك إليهم و لا تقم أكثر من يومك، فنهض أبي و نهضت معه و خرجنا إلى بابه؛ إذا ميدان ببابه و في آخر الميدان اناس قعود عدد كثير فقال أبي: من هؤلاء؟
قيل: القسيسون و الرهبان و هذا عالم لهم يقعد لهم في كلّ سنة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم، فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه و فعلت أنا مثل أبي فأقبل حتى قعد نحوهم و رفع ذلك الخبر إلى هشام فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي، فأقبل عدد من المسلمين أحاطوا بنا و أقبل عالم النصارى قد شدّ حاجبيه بخرقة صفراء حتّى