الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٩٠ - الجاحظ في الميزان
و حكى الخطيب عنه: أنّه كان لا يصلي.
و قال الإسكندري: الجاحظ كان عثمانيا يتنصب يفضل عثمان على عليّ [١].
و قال ابن قتيبة: الجاحظ هو آخر المتكلمين و أحسنهم للحجّة استشارة، و أشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يكبر، و تصغير العظيم حتى يصغر، و يبلغ به الاقتدار على أن يعمل الشيء و نقيضه، و يحتج للعثمانية على الرافضة، و مرة للزيدية على العثمانية و أهل السنّة، و مرة يفضل عليا «رضي اللّه عنه» و مرة يؤخره، و يعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الردّ عليهم تجوز في الحجة، كأنّه إنما أراد تنبيههم على ما يعرفون، و تشكيك الضعفة من المسلمين و تجده يقصد في كتبه للمضاحيك و العبث يريد بذلك استمالة الأحداث و شرّاب النبيذ، و يستهزىء من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم إلى أن يقول: و هو مع هذا من أكذب الأمّة، و أضعفهم لحديث، و أنصرهم لباطل [٢].
هذه صورة عن الجاحظ نقدمها ليقف القارئ على أثر طعنه و تهجمه، و رميه الأبرياء من الأمة بما ليس فيهم، فهو غير مستقيم و لا حدّ لتقلّبه و تلوّنه. يختلق الاتهامات، و يبتدع الأقوال، و يكذب في نقله.
إن الجاحظ موهوب في أدبه، بارع في تهكمه و سخريته، له قدرة على تصوير الأشياء التي يخترعها من نفسه، و لا يهمه أن تتناقض أقواله و تضطرب آراؤه، فتراه يؤلّف في الأمور المتناقضة، و الأشياء المتفرقة.
نرى الجاحظ يميل مع الهوى و يساير الظروف، فهو إذ يخالف الواقع و يسلم قياده لهواه- تراه في مورد آخر يرجع إلى الحقيقة و يعطيها حقها من البيان، و يتبين لك تكلفه عند مخالفته للواقع، و انحرافه عن الصواب، و له رسائل عديدة متفرقة يستقصي فيها الحجج لنفسه، و يؤيدها بالبراهين، و يعضدها بالأدلة فيما يتصوّر من عقله، و ما يوحيه الهوى، و يفرضه عليه تماجنه و عبثه.
ألّف الجاحظ رسائل في أمور متناقضة تشهد على عدم استقامته، فهو ينتصر للعثمانية، و يذهب إلى تأخير علي (عليه السلام) في الفضيلة، و يمدح معاوية بن أبي سفيان منتصرا له من علي (عليه السلام) و شيعته، و يذكر إمامة آل مروان و بني أمية بما شاء له الهوى
[١] تاريخ آداب اللغة ص ٨٤.
[٢] مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٧١- ٧٢.