الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٨٠ - أجوبته و مناظراته
الجواب، فقد ترأس مجلس المناظرة الذي كان يعقده يحيى بن خالد البرمكي مساء كل جمعة ببغداد، و هو يضم جميع علماء الفرق، و رؤساء الأديان، و أهل الآراء، فكانوا لا يخوضون في مسألة حتى يحضر هشام فيكون قوله الفصل، و حكمه العدل.
و كان الرشيد يحضر ذلك المجلس من وراء الستار- في بعض الأوقات- يستمع لتلك المناظرات و يصغي لتلك الأقوال. و أراد بعضهم أن يوقع الشر في قلب الرشيد على هشام، فألقى إليه سؤالا في قضية مخاصمة العباس لعلي (عليه السلام) في ميراث النبي، و هو لا يعلم بمكان الرشيد.
قال السائل: يا أبا محمّد (و هي كنية هشام) أ ما علمت أن عليا نازع العباس إلى أبي بكر؟
قال هشام: نعم.
قال السائل: فأيّهما كان الظالم لصاحبه؟ فتوقف هشام و قال في نفسه: إن قلت: العباس خفت الرشيد، و إن قلت: عليا ناقضت قولي و عقيدتي.
ثم قال هشام: لم يكن فيهما ظالم.
فقال السائل: أ فيختصم اثنان في أمر و هما محقان جميعا؟
قال هشام: نعم، اختصم الملكان إلى داود و ليس فيهما ظالم، و إنما أرادا أن ينبهاه. كذلك اختصم هذان إلى أبي بكر ليعلماه ظلمه. فأمسك الرجل [١] و وقع الجواب عند الرشيد موقع القبول و مال قلبه لهشام.
و له كثير من أمثال هذا من الأجوبة المسكتة، و الكلمات التي كان يتفوق بها على خصومه. قال ابن النديم بعد وصفه بقوة الحجّة وسعة التفكير: و كان هشام يقول: ما رأيت مثل مخالفينا؟! عمدوا إلى من ولّاه اللّه من سمائه فعزلوه (يعني عليا) و إلى من عزله اللّه من سمائه فولوه (يعني أبا بكر). و يذكر قصة مبلغ سورة براءة، و مرد أبي بكر، و إيراد علي (عليه السلام) بعد نزول جبرائيل (عليه السلام) قائلا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):
«لا يؤديها عنك إلّا أنت أو رجل منك». فرد أبا بكر و أنفذ عليا (عليه السلام) [٢].
[١] العقد الفريد ج ١ ص ٣٦٠، و عيون الأخبار لابن قتيبة ج ٢ ص ١٥٠. و ضحى الإسلام ج ٣ ص ٢٦٨.
[٢] تكملة فهرست ابن النديم ص ٧.