الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٢٨ - تمهيد
و كان للإمام الصّادق (عليه السلام) تراث فكري و ثروة كبيرة من الحكم الأخلاقية تعد في الواقع أعظم أثر من آثار دعاة الإصلاح، و قادة الخير و الرشاد فهو (عليه السلام) لا يهدأ لحظة عن الإرشاد إلى طاعة اللّه، و لا تفوته فرصة يرجو فيها تنظيم العلاقات الاجتماعية و تهذيب النفوس من كل ما يؤدي إلى قطع تلك الروابط بين أفراد المجتمع، فكانت أقواله (عليه السلام) في كل مناسبة توجيها، و وصاياه في كل حين إرشادا. أما إذا استخلص التعاليم و استصفى النظرات فإنه (عليه السلام) يأتي بموجز من البيان و ينطق بعبارات يسيرة ترقى إلى أعلى مراتب الحكمة، و تسمو إلى أرفع منازل الإيمان، و يتخلل منهجه (عليه السلام) في الدعوة و الإرشاد بيان مشرق و يضمه سياق محكم.
و لقد قدّمنا في أبحاثنا السابقة من هذا الكتاب بعض تلك الحكم، و نجد لزاما علينا أن نزين هذا الجزء ببعض جواهر حكمه التي تضمنت أهم النقاط الاجتماعية و الخلقية، و كل ما يتعلق بأمور الفرد و المجتمع، فهو (عليه السلام) يعالج الأمور بأسلوب يعجز القلم عن وصفه، و حكمة يتلعثم اللسان عن بيانها.
لقد عرف (عليه السلام) بين الناس بكرم الأخلاق و صدق الحديث، و حسن المجالسة. و قد منحه اللّه سلامة الفطرة، و صفاء الحس، و نفاذ البصيرة و حسن البيان، فكان خير داعية للخير، و مرشد للهدى، يزدحم مجلسه بمختلف الطبقات و الطوائف و ينتهلون من تعاليمه، و يتزوّدون من حكمه و أخلاقه، و قد وجدوا فيه المصلح الاجتماعي العظيم، و المرشد الديني الكبير.
إنهم وجدوا فيه عالما و إنسانا كاملا، يهدي إلى الرشاد، و يدعو إلى سواء السبيل، و قد خرّجت مدرسته علماء أعلاما و رجال إصلاح خدموا الإنسانية جمعاء خدمة لا تنكر.
إنه (عليه السلام) لم يدخر نصحا عن أحد، و لم يأل جهدا في توجيه النصح لكل أحد، فتجد له في كل مناسبة قولا، و في كل مجال حكمة، و لكل مشكلة حلا، و إن منهجه القويم و طابعه الأخلاقي ليظهران على كل كلمة نقلت عنه، و على كل أثر نسب إليه.
إن تلك الفكر الخوالد تتصف بصفة الشمول لجميع نواحي الحياة الإنسانية و توضح للمسلم تعاليم دينه الصحيح، و هي تمتّ إلى واقع المسلمين في كل عصر، و هي الدواء لأمراض المجتمع، و الحل الصحيح لمشكلاته.