الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٨٣ - الدولة العباسية و بداية الضعف
سيف ينشره، و فشل المتوكل و أعوانه، فكان ضحية نصبه و تعصبه، حتى قتل بيد ولده و قواده، و هو أول خليفة قتل جهرة من بني العباس، و كثر بعد ذلك القتل في المستخلفين من بعده.
و كان المتوكل لشدة نصبه و عدائه لعلي (عليه السلام) أن ندماءه في مجلسه يفيضون في ثلب علي (عليه السلام) فينكر ولده المنتصر ذلك- و كان ولي عهده- و يتهددهم و يقول للمتوكل: إن عليا هو كبير بيتنا، و شيخ بني هاشم، فإن كنت لا بد ثالبه فتول ذلك بنفسك و لا تجعل لهؤلاء سبيلا إلى ذلك، فيستخف المتوكل به و يشتمه و يأمر وزيره عبيد اللّه بصفعه، و يتهدده بالقتل و يصرح بخلعه عن ولاية العهد، فأعدّ المنتصر جماعة من الأتراك و بعث معهم ولده صالح و أحمد و عبد اللّه و نصر، فدخلوا على المتوكل و هو بين ندمائه و كئوس شربه، فأخرجوا الندمان حتى لم يبق مع المتوكل إلّا أربعة من الخاصة و أغلقوا الأبواب إلّا باب دجلة، و قتلوا المتوكل و ألقى الفتح بن خاقان نفسه عليه ليقيه، فقتلوه [١].
و رثاه البحتري في قصيدة يقول فيها:
هكذا فلتكن منايا الكرام* * * بين ناي و مزهر و مدام
بين كأسين أورثاه جميعا* * * كأس لذاته و كاس الحمام
لم يذل نفسه رسول المنايا* * * بصنوف الأوجاع و الأسقام
هابه معلنا فدب إليه* * * في كسور الدجى بحد الحسام
[٢] و على أي حال: فقد كان المتوكل في جانب المحدثين، و أصبحت لهم الصولة و النفوذ، استغل العوام هذه الفرصة فأوقعوا برجال الفكر، و نشروا الخرافات، أما أصحاب أحمد بصورة خاصة، فلهم المنزلة السامية، و المقام الرفيع لأنه رفع منزلة الإمام أحمد و قرّب أصحابه، و اتسع المجال أمامهم في الانتقام من خصومهم و الانتصار لمبادئهم، و كما رأينا كيف كان المتوكل يعظم أحمد و يجله، و يشيد بذكره و يصله بهداياه، حتى بلغ به الأمر أنه كان يستشيره في تعيين القضاة، و قد بعث إليه مرة يسأله في تولية ابن الثلجي القضاء. فقال أحمد: لا و لا على حارس. لأن أحمد كان
[١] العبر لابن خلدون ج ٣ ص ٥٩٢.
[٢] ابن الساعي في تاريخه ص ٦٤.