الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٤٧ - أوضاع المحنة في عصر الإمام أحمد
في نفس الميزان الذي توزن به أعمال غيرهم من الناس [١].
و لقد تدخلت الحكومة في مناصرة المعتزلة، و أخذوا الناس إلى اتباع آرائهم بالقوة. و مر المعتزلة في نشاطهم أيام المأمون و المعتصم و الواثق، و كان المحدثون يقفون أمام هذا الرأي بشتى الأساليب، و ظهر القول بخلق القرآن و قدمه، فكانت هناك محنة عامة، فأجاب من أجاب و امتنع من امتنع، حتى جاء عهد المتوكل فأراد أن يستجلب الرأي العام، لأن المسألة بلغت إلى أقصى حد من العنف و الشدّة، فأعلن إبطال ذلك في سنة ٢٣٤ ه و هدد من أثار هذه المسألة، و أظهر الميل للمحدثين، و وقف بجانبهم، فكانت لأصحابهم الغلبة، و في ذلك العهد طلع نجم أحمد بن حنبل، و ظهر اسمه لأنه بقية الرجال المبرزين الذين امتنعوا من الإجابة كما هو المشهور.
و انتصر المحدثون و شملهم المتوكل بعطفه و رعايته، و أشخص منهم مائتين، و كان فيهم: مصعب الزبيري، و إسحاق بن أبي إسرائيل، و إبراهيم بن عبد اللّه الهروي، و عبد اللّه و عثمان ابنا أبي شيبة. فقسمت بينهم الجوائز، و أجريت عليهم، و أمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس، و أن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة و الجهمية، و أن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية. فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور، و وضع له منبر و اجتمع عليه الناس. و جلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، و قام القصاصون بنشاط واسع، و وضعت الأحاديث عن صاحب الرسالة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و نسبوا له زورا أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: ما قيل من قول حسن فأنا قلته.
و التف الناس حول أنصار الدولة من المحدثين، و استمعوا إلى القصاص الآمنين من المؤاخذات، لأن الدولة لهم تحرسهم و الظروف تساعدهم، و قد أنكر أحمد بن حنبل على ابن أبي شيبة، و على مصعب و الهروي و ضعّفهم، و كان انتصار المتوكل للمحدثين حدثا هاما، فقد أفل نجم المعتزلة، و سقطت دولتهم، و قام أهل الحديث باغتنام هذه الفرصة، فارتفع لواؤهم و تبوؤوا المكانة الرفيعة، و انتقموا من خصومهم المعتزلة، بل من كل من يتهم بالميل إليهم، و حدثت حوادث انتقامية بدون تدبر و ترو، و هكذا شأن من انتصر بعد ظلم، و اعتز بعد ذلة، فأوقع الحنابلة نقمتهم على كثير ممن لم يشارك المعتزلة في سلطانهم.
[١] ضحى الإسلام ج ٣ ص ١٩٦.