الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٤٠ - في عهد المعتصم
أدن مني (كنية المعتصم) و اتعظ بما يرى، و خذ بسيرة أخيك في خلق القرآن [١].
فاشتد المعتصم في امتحان الناس، اتباعا لسيرة أخيه و جريا على نهجه الذي لم يتصف بصفة الرأفة، و لا يحول بينه و بين إيقاع المكروه بمن يريد أي حائل، مع ما فيه من النشاط العسكري، و قوة الإرادة و الشجاعة التي امتاز بها، لم يكن رجل علم، بل رجل سيف لا يضعه عن عاتقه.
و لا حاجة لنا بذكر جميع أطراف المحنة [٢]، و المؤاخذة، و لكنا نشير لما يخص صاحبنا- أحمد بن حنبل- في ذلك، و موقفه في مجابهة تلك الشدة، و كيف نجا من سطوة المعتصم، و شدّه ابن أبي دؤاد، و هو كبير المعتزلة، و بطل هذه المعركة، فهل أجاب أحمد لما أراد الخليفة فخلى سبيله؟ أم أن المعتصم خشي وقوع الفتنة عند ما يقتله إن أصر على الامتناع؟ أم أنه رق عليه و أعجب بشجاعته و ثباته؟ و قد ذكر بعض المؤرخين أن أحمد أجاب في المحنة، و انقطع عن المناظرة كما سنبينه قريبا.
و على وجه الإجمال فإن المعتصم اشتد في امتحان الناس، و كان أحمد سجينا عنده فأمر بحمله إليه، و قال حاكم البلد: إن الخليفة قد أقسم إلّا أن يقتله بالسيف، و أنه سوف يضربه ضربا بعد ضرب، و أنه سيزجّه في مكان مظلم لا يرى فيه النور.
و سار أحمد إلى المعتصم، فلما دخل عليه و ابن أبي دؤاد و أصحابه في حضرته، و الدار غاصة بأهلها و بالقضاة و الفقهاء من أتباع الدولة، ناظروه و لم يستطيعوا إخضاعه.
فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل مبتدع.
و بقي أحمد ثلاثة أيام يؤتى به كل يوم للمناظرة، عسى أن يرضخ لحكم السلطة، و لكنه استعصم و لم يجب، فلما يئس المعتصم منه أمر بضربه بالسياط، و قد اختلف في عددها، فقيل ثمانية و ثلاثين، و قيل أقل من ذلك.
و على أي حال: فإن تعذيب أحمد لم يدم، بل أن المعتصم أطلق سراحه، و خلع عليه، و قد ذكر بعضهم أن السبب هو أن العامة قد تجمعوا على دار السلطان أو
[١] ابن حنبل لمحمّد أبو زهرة ص ٤٧.
[٢] مقدمة كتاب أحمد بن حنبل و المحنة ص ١٤ نقلا عن هامش الكامل ج ٣ ص ١٣١- ١٣٩.