الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٣٠ - صلته بالمتوكل
الرأي و احترام العقل، لكن السلطة عدلت بهم إلى السياسة التي كانوا يستنكرونها، و كان بطل هذا الدور القاضي أحمد بن أبي دؤاد.
و كان المتوكل يصل أحمد بصلات سنية، و يعطف عليه، و عين له في كل شهر أربعة آلاف درهم [١] و طلبه إلى سامراء ليتبرك برؤياه، و ينتفع بعلمه، فامتنع أحمد و لكنه أجبر على الموافقة.
و كان الأمراء يدخلون عليه و يبلغونه سلام الخليفة، و لا يدخلون عليه حتى ينزعون ما عليهم من الزينة، و قد بلغ من تقدير المتوكل لأحمد و احترامه أنه أصبح لا يسمع عليه وشاية، و لا يصغي لقول خصم فيه، إلّا الاتهام بالميل للعلويين، فإن المتوكل كان يأخذ في ذلك على الظنة و التهمة، و قد تمكن الوشاة بأن يبلغوا المتوكل عن أحمد بالميل للعلويين، و أنه يبايع لرجل منهم سرّا، فكبست داره و فتشت أدق تفتيش [٢]. فلم يجدوا ما يدل على ذلك.
و بهذا برأت ساحته من هذه التهمة، التي كادت أن تطيح بكيانه، و تعود عليه بالعذاب و النكال، شأنه شأن غيره من العلماء، الذين أخذوا بهذا الاتهام الذي ليس من ورائه إلّا القتل بدون رحمة.
صلته بالمتوكل:
و كان المتوكل يوصي الأمراء باحترام أحمد و تقديره، و لما مرض أحمد كان المتوكل يبعث إليه برسله يستعلم أخباره، و يسأل عن حاله، و لما مات اهتم أمير البلد بأمره، و تولت رجال الدولة القيام بواجب تجهيزه، و حضر من بني العباس نحو مائة رجل مع سائر القواد و الأعيان و الوزراء، فكان يوما مشهودا.
و الذي يظهر من سيرة أحمد أنّه كان منكمشا من المتوكل، غير مرتاح إلى مودته، فهو لا يقبل هديته إلّا خوفا، و يقال أنه كان يفرّقها سرا على المحتاجين، و لا يجلس على بساطه، و لم يظهر عليه ذلك أو يتظاهر بالمخالفة، و لكنه كان يذهب إلى صحة خلافته و إمامته و لزوم طاعته.
[١] تاريخ ابن كثير ج ١٠ ص ٢٣٩.
[٢] مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٣٦.