الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤١٦ - خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية
و الاقتصادية، و نبذ الآراء المختلفة، و ترك الهوى و الانقسام في الدين، و التفرق فيه، لتتكون وحدة إسلامية تجمع المسلمين تحت راية القرآن. و تعاليم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لتحصل الأخوة العامة، و المساواة التامة، و التضامن الاجتماعي، و ما يقوم عليه من تعاون و تعاطف، و تراحم و عدل و إحسان، و صدق و صبر، و بر و خير، إذ أن الدين الإسلامي قد وضع نظام المعاونة و المساعدة بين أفراده لتحصل بينهم روابط الإلفة و المحبة، و قد سبق جميع الأمم إلى هذا النظام.
كما قد رأينا فيما سبق كيف اعتزل الإمام الصّادق (عليه السلام) السياسة، و نهج منهج التماسك، و احتفظ بمكانته العلمية، و هو الشخصية التي كانت الأنظار متجهة إليه، و الناس ينظرون إليه نظرة إجلال و إكبار، لما منحه اللّه تعالى من طهارة النفس، و شرف المحتد، و فضل القربى، و قوة العقل و الإدراك، و الفقه في الدين، مما جعل مدرسته يؤمّها طلاب العلم من مختلف الأقطار، على اختلافهم في النزعات و الآراء، فكان يعلم الجاهل، و يرشد الضال، و يهدي إلى سواء السبيل.
و حسبنا دلالة على ذلك انتماء العلماء المبرزين لمدرسته من الذين أصبحوا رؤساء مذاهب، و أئمة فرق، و كلّ معترف بفضله و مقرّ بعلمه، و مفتخر بانتمائه لمدرسته. حتى كان أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا: أخبرنا العالم [١].
سار الإمام الصّادق في طريق الدعوة الإصلاحية، و ترك الجانب السياسي، و لم يزجّ نفسه في المعترك الذي عظم خطره، لأنه كان يرى أن الوقت غير ملائم. و لم يكن له من العدة و العدد ما يستطيع أن يخوض تلك المعركة، فأراد (عليه السلام) أن يخوض معركة علمية عن طريق التوجيه و الإصلاح الاجتماعي، ليهذّب النفوس من نزعات الشر و الفساد، و قد رأينا كيف كانت دعوته، و كيف أنه ألزم الدعاة إلى العمل بما يدعون إليه، كما عبر عن ذلك (عليه السلام) بالدعوة الصامتة.
و قد كان أثر هذه الدعوة إلى الإصلاح الذي كان ينشده الإمام الصّادق عظيما على المنصور، فلم ترق في عينه، و لم تقع منه موقعا حسنا، بل كان يظهر غضبه مرة و يكتمه أخرى، لأنه يعتبر إقبال الناس على الإمام الصّادق (عليه السلام) و انتشار دعوته إلى الإصلاح الاجتماعي، منهاج ثورة يستفحل خطرها، و ليس في إمكانه إخمادها.
[١] تأريخ ابن واضح ج ٣ ص ١١٥.