الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٨٧ - المنحرفون عن الحق و الشيعة
أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، و اعتنقها أبو ذر حسن النية، و صبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه ...
و يقول الدكتور حسن إبراهيم في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي) بعد أن ذكر بيان الحالة التي كان عليها المسلمون في أخريات خلافة عثمان: فكان الجو ملائما تمام الملاءمة، و مهيئا لقبول دعوة عبد اللّه بن سبأ، و التأثر بها إلى أبعد حد.
و قد أذكى نيران هذه الثورة صحابي قديم، اشتهر بالورع و التقوى، و كان من كبار أئمة الحديث، و هو أبو ذر الغفاري [١] الذي تحدّى سياسة عثمان، و معاوية واليه على الشام، بتحريض رجل من أهل صنعاء هو عبد اللّه بن سبأ، و كان يهوديا فأسلم، ثم تنقل في البلاد الإسلامية، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، فالكوفة، و الشام و مصر.
فأنت ترى أن هذا الصحابي الجليل، الذي امتاز بصدق اللهجة، و وضوح الحجة، فاستحق أن يقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن أخلاقه: «ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر» [٢] قد تجنّي عليه بما نسبوه إليه من التأثّر بآراء مزدك بواسطة ابن السوداء عبد اللّه بن سبأ، كما يزعم هؤلاء الأساتذة الذين لا خبرة لهم بالتاريخ و لا معرفة بأحوال الرجال.
و نحن إذ نستعرض مثل هذه الآراء، لا نريد من ورائها إلّا إعطاء صورة عن الشذوذ الفكري، و الخروج عن قواعد الاستنتاج.
كيف يصح القول بأن أبا ذر قد اعتنق رأي (مزدك)؟؟ و هو خريج مدرسة
[١] أبو ذر هو جندب بن جنادة الغفاري، المتوفى سنة ٣١ ه أمه أم رملة بنت الوقيعة الغفارية، و هو رابع أربعة سبقوا إلى الإسلام، و كان من المتألهين في الجاهلية الذين عبدوا اللّه و تركوا الأصنام، و لما أسلم أجهر في إسلامه في البيت الحرام بمكة، فضربه رجال من قريش حتى ضرجوه بدمه، و أغمي عليه فتركوه ظنا منهم أنّه مات، و قد ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحاديث كثيرة في مدحه، و رحل إلى الشام في خلافة عثمان، فأنكر على معاوية سيرته و سوء عمله، و أعلن بالإنكار عليه، فشكاه معاوية إلى الخليفة، و أخرجه من الشام و نفاه إلى الربذة حيث توفي بها وحده، فكان كما قال فيه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «رحم اللّه أبا ذر يعيش وحده و يموت وحده و يبعث وحده».
و لما انتقل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى جوار ربه كان أبو ذر غائبا فعاد و قد ولي أبو بكر، فقال: أصبتم قناعة و تركتم قرابة، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم اثنان.
[٢] الاستيعاب بهامش الإصابة ج ١ ص ٢١٦. و الإصابة ج ١ ص ٦٤.