الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥٦ - الدعوة الإسلامية و خصومها
و صفوة القول إنهم توزعوا على جميع الطوائف الإسلامية، فاندسوا في صفوفهم و امتزجوا في مجتمعهم.
هذا سوسن النصراني كان أول من نطق بالقدر و قد أظهر الإسلام، و عنه أخذ معبد الجهني و أخذ غيلان عن معبد [١] ثم عاد سوسن إلى نصرانيته بعد أن بثّ فكرته.
و هذا ابن كلّاب من بابية الحشوية، و كان عباد بن سليمان يقول إنه نصراني.
قال أبو عباس البغوي: دخلنا على فيثون النصراني و كان في دار الروم بالجانب الغربي، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلّاب فقال فيثون: رحم اللّه عبد اللّه (اسم ابن كلّاب) كان يجيئني فيجلس إلى تلك الزاوية- و أشار إلى ناحية من البيعة- و عني أخذ هذا القول، و لو عاش لنصّرنا المسلمين [٢]- أي لجعلناهم نصارى-.
ذكرنا هذا على سبيل المثال لما يفعله أصحاب الديانات الأخرى الذين كانوا يستغلّون الفرص للتدخل في صفوف المسلمين، فلم يتحد غرضهم في الدخول بطائفة أو الانضمام إلى جماعة، بل كانوا متفرقين في أهل الحديث و الفقهاء و المؤرخين، و أهل الكلام و الفلسفة، و سائر العلوم، و ما أكثر الوسائل التي يتبعونها و الأثواب التي يتنكّرون بها لحماية أنفسهم و تحقيق أهدافهم.
فقد يتنكر اليهودي في ثوب الإسلام و يدعي لنفسه أهداف المسلمين و أساليبهم، فيندس وسط جماعات و هيئات و هو أبعد ما يكون أن يؤمن بمبادئها و مثلها، و يأخذ على عاتقه هدم هذه المبادئ و المثل و التشكيك في قيمها و جدواها، فهو إذ يتظاهر في الانضمام إلى طائفة معينة، و يكون حريصا على تحقيق مبادئها و نشر تعاليمها، إنما يفعل ذلك لينجح في مهمته، و هي تحقيق أهدافه الدنيئة عن طريق آخر، و كذلك غير اليهودي من نصراني و مجوسي و وثني و مشرك، و كل من في قلوبهم حقد على الإسلام و أهله.
فهم يدعون الإسلام من جهة، و يعملون على هدمه من جهة أخرى، و لهم أساليب كثيرة يتوسّلون بها لتحقيق أهدافهم و تحصيل أمانيهم. و قبل أن نأتي على استقصاء أساليبهم في المكر و الخداع و التضليل، نود أن نشير إلى إبطال حركة الغلاة
[١] انظر الفرق للبغدادي ص ٧٠.
[٢] الفهرست لابن النديم ٢٥٥- ٢٥٦.