الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥٣ - أسباب نشأة الغلاة
و اختلطوا بمجتمع الكوفة، فكان نشاطهم محسوسا في استغلال الفرصة لبثّ آرائهم و نشر عقائدهم، و ربطها بالعقائد الإسلامية عن طريق الخداع و التضليل حقدا على الإسلام و أهله، و اندس البعض منهم في حلقات العلم مدّعيا انتماءه لمدرسة الإمام الصّادق، و هم يكذبون عليه فيما ينسبونه إليه، و غرضهم في ذلك هو الطعن على أهل البيت، و تشويه سمعة أوليائهم، لكي ينفروا القلوب، و يثيروا البغضاء، لتقع الفرقة بين صفوف المسلمين.
فكان الأجدر بالمؤرخين و الكتّاب أن يتحرّوا حقيقة الأشخاص الذين بثوا تلك الأفكار و دعوا إلى تلك العقائد، و يخضعوا أقوالهم و أفعالهم للنقد و التمحيص حتى يتبيّنوا الدوافع و الأغراض التي تكمن وراء نشاطهم. و إن استعصى عليهم ذلك فما أسهل الإصغاء إلى مواقف أئمة الشيعة و آراء رجالهم في دحض تلك الآراء و فضح تلك العقائد.
أسباب نشأة الغلاة:
و يجب أن لا يغيب عن بالنا سبق هذا العداء للإسلام و قدمه قبل عصر الإمام الصّادق (عليه السلام) فهو متأصل منذ فجر الدعوة الإسلامية يتوارثه الأبناء و الأحفاد، و ذلك لأن دعوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) منذ البداية موجهة إلى الناس كافة، سواء منهم العرب و غير العرب، وثنيون أو يهود، نصارى أو مجوس، فهي لم تختص بطائفة دون أخرى، و لا بقوم دون قوم، و لا بقطر دون آخر، بل هي رسالة عامة، و لا بد أن تجابه دعوته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأقوى عدة و بأكثر عدد من المعارضين الذين قضى الإسلام على عقائدهم الفاسدة، و هدم هياكل عبادتهم التي يعبدونها من دون اللّه، كما هدم صروح الكبرياء و الأنانية و أزال عروش الظلم و الاستبداد، و أذلّ قوما اعتزوا بسلطانهم فاستذلّوا الآخرين. إلى آخر ما جاء به الإسلام من الإصلاح للعالم، الذي كان يموج بالفتن و تسوده نزعات مختلفة و نحل متنوعة، و كان الناس يتخبّطون في ظلام حالك كله شر و مخاوف، إذ يتغلب القوي على الضعيف، فتشن الغارات لنهب الأموال و انتهاك الحرمات في التكالب على السيادة، و الاثرة و الاستغلال.
فلم يخضع لهذه الدعوة جبابرة قريش الذين ملكت الأنانية قلوبهم، و استولى حب الذات و الأثرة على مشاعرهم، و جعلوا من عبادة الأصنام قواما لحياتهم.
و لأن محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يدعو إلى عبادة رب واحد لا شريك له، كما جاء بنظام العدل