الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥٢ - المؤرّخون و مشكلة الغلاة
و ابتعاده في البحث عن التقليد الأعمى، و التعصّب الطائفي الذي جرّ على هذه الأمة، بلاء الفرقة و محن البغضاء و التطاحن.
إن أكثر المؤرخين لم يدرسوا الظروف التي نشأت فيها طوائف الغلاة، و لم يعرفوا أسباب ذلك، كما أنّهم لم يقفوا على العوامل التي بعثت النشاط في دعوتهم فأثرت أثرها في تفريق الصفوف، و إيقاد نار البغضاء في القلوب، و إثارة الفتن في المجتمع، و لو أن أولئك المؤرخين الذين ربطوا تاريخ الغلاة بتاريخ الشيعة و استعملوا الأقيسة المعكوسة، و درسوا ظروف نشأة تلك الأفكار، و أسباب ذلك الاعتقاد، و بواعث ذلك النشاط، لوجدوا أنفسهم خاطئين في سلوكهم، بعيدين عن الواقع، و لا تضح لهم البون الشاسع، بين الغلاة و بين الشيعة، و بذلك تظهر الحقيقة في البحث- إن كانوا يطلبونها- و إذا ظهرت الحقيقة بطلت الأوهام.
و قد قلت سابقا إن خصوم الإسلام في عصر الإمام الصّادق (عليه السلام) قد عظم عليهم موقفه في نشر الدعوة الإسلامية، عند ما نشطت الحركة العلمية، حيث اتجه الناس إلى التدوين و البحث، و ظهر علم الكلام و الفلسفة، و برزت مدرسة الإمام الصّادق (عليه السلام) في نشر العلم و بث تعاليم الإسلام، و كثر المنتمون إليها، و انتشر ذكرها في جميع الأقطار الإسلامية، و قام أصحابه بأداء الرسالة، و كان للكوفة النصيب الأوفى من حملة العلم، و رجال الإصلاح، المنتسبين لتلك المدرسة، فكان عددهم يربو على الألف، منهم تسعمائة محدّث في مسجد الكوفة، كل يقول: حدّثني جعفر بن محمّد.
و حيث كانت الكوفة مركزا هامّا للتجارة و الصناعة ملحوظا في حياة المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري، و ازدهرت فيها المنسوجات الحريرية و هي ما سموها عمل الوشي و الخز، و كانت هذه المصنوعات تلقى رواجا في الأقطار الإسلامية [١] و كانت محاطة بقرى كثيرة، و فيها من غير المسلمين عدد كبير كالنصرانية في الحيرة و غيرها، و وفد عليها أربعة آلاف من رعايا الفرس عرفوا بحمراء الديلم [٢] كما كثرت الهجرة إليها من الأقطار النائية من ذوي العقائد الفاسدة و الآراء الشاذة،
[١] الأغاني ج ٢ ص ١٧٢.
[٢] فتوح البلدان للبلاذري ص ٢٨٩.