الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٢٢ - انطباعات المنصور الدوانيقي
لأصحابه، فتعجّل و انصرف، و تبعته فالتفت إليّ و قال: «يا هذا اتق اللّه، و لا تغري أهل بيت محمّد، فإنهم قريبو العهد من دولة بني مروان، و كلهم محتاج». قلت: و ما ذاك أصلحك اللّه؟ فأدنى رأسه منيّ فأخبرني بما جرى بيني و بينك. فقال المنصور: يا ابن المهاجر اعلم أنه ليس من أهل بيت نبوة إلّا و فيهم محدّث، و إن جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم.
فالمنصور مع شدة عدائه للإمام الصّادق، و بغضه له، فهو يقول الحق في عدة مناسبات، و يصرح بما يخالف أفعاله، فمرة يصفه بأنّه من السابقين في الخيرات الذين اصطفاهم اللّه من عباده و بأنّه محدث، فكأنه ثاب إليه رشده أو نزع نفسه من مقتضيات السلطان و الإمارة، و مرات يهدد بقتله و يستعد لتنفيذ ما يمليه عليه حقده.
و يقول- عند ما يتحدث الناس عن علم الصّادق-: هذا الشجى المعترض في حلقي، من أعلم الناس في زمانه. فيجمع بين الحقيقة و بين بغيه و حقده.
و يقول: إنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.
و يقول مخاطبا الإمام الصّادق (عليه السلام): لا نزال من بحرك نغترف و إليك نزدلف، تبصر من العمى، و تجلو بنورك الطخيا (الليلة المظلمة) فنحن نعوم في سحاب قدسك، و طامي بحرك.
و قال لحاجبه الربيع: و هؤلاء من بني فاطمة لا يجهل حقّهم إلّا جاهل، لاحظ له في الشريعة.
و مع هذه الاعترافات في حق الإمام الصّادق فهو لا يستطيع أن يتغلّب على هواه أو ينتصر على نفسه، فينطلق من عقال حقده، و يعرف للإمام منزلته، و يرعى حقه و يحفظ قرابته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
و لكن المنصور كان خصما لا يلين، و جبارا لا يرعوي، و متعنّت لا يخضع لحق، و لا يرتدع عن باطل، فقد كان يثقل عليه انتشار ذكر جعفر بن محمّد في أندية العلم و حلقات الدرس، و العلماء يستدلّون بروايته و يستشهدون بقوله، فيكون قوله الفصل و حكمه العدل.
و لذلك فقد وقف للإمام بالمرصاد، يحاول الفتك به و القضاء عليه، مع معرفته بمنزلته، قد أخذته العزّة بالإثم، و الطمع في الملك، فهو دائما مع شهواته، و أسير هواه و أطماعه.