الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠٧ - موقف الإمام الصّادق و اتجاهه للإصلاح
يمكنه القيام بثورة دموية و قد عرف عواقبها، و اتضح للجميع نتائج القيام بها مع علمه بذلك المجتمع الذي أنهكت قواه الحروب المتتالية و الثورات المتتابعة.
و قد وجد (عليه السلام) أن الأمر يدعو إلى الحزم و التريث، و أن يتحيّن الفرص المؤاتية، إذ القيام بأمر في غير أوانه لا بد و أن يفشل و ينهار، فصمّم على الاحتفاظ بالاتجاه العلمي، و الوقوف موقف المصلح المتسلّح بالإيمان باللّه، و نشر تعاليمه، و بعث الوعي الإسلامي بالقوة الروحية، التي هي أقوى العوامل في الالتزام الديني و السعي إلى الخير، و قد جعلها الإسلام هي الأساس الوحيد للحياة الكريمة و المجتمع الأمثل، لأن المجتمع الإسلامي حسب تعاليمه و نظمه لا يقوم إلّا على الإيمان باللّه بعقيدة راسخة، و منه تنبعث القوة الروحية، لأداء الواجب و الشعور بالمسؤولية و التضامن بين الأفراد و التكافل الاجتماعي، و بذلك يسعد المجتمع و ينعم أفراده.
فكان الإمام الصّادق (عليه السلام) خير داعية للإصلاح لما اتصف به من صدق القول و مثابرة العمل، و لم يقعد به عن ذلك ما لقيه من الأذى و ما نزل به من مصائب، فلم تهن عزيمته و لم تفتر همّته، بل ثبت في نشر دعوته، و واصل أداء رسالته بالدعوة إلى العمل الصالح، و هو دليل رسوخ العقيدة و الإيمان باللّه. و كلما ازداد الإيمان باللّه ازداد العمل الصالح، و بذلك تهون المخاطر التي تحوط دعوة المصلح و تهددها، و يكسبها قوة الصمود، و قدرة اجتياز العراقيل و العقبات.
و كيف ينجو المصلح من مجابهة الشدائد؟ و مهمته أن يحول بين نفوس الناس و شهواتها، و يباعد بينها و بين ما ألفته من العادات، فمن العسير أن يخلعوا أنفسهم مما هم فيه، و أن يمدّوا أعناقهم للحق الذي ابتعدوا عنه.
و المصلح يحتاج إلى ثبات، فلا يتسرب اليأس إلى نفسه، و لا تهن عزيمته عند ما يصطدم بعقبة تعترض سبيل دعوته. و لا يحصل ذلك الثبات إلّا بقوة الإيمان باللّه. و هناك يستطيع أن يوجد أمة تصرخ بوجه الطغاة الذين استبدوا بالحكم، و ظلموا العباد و خربوا البلاد وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فالذين آمنوا باللّه حق الإيمان يجاهدون في اللّه حق جهاده، لتكون كلمة اللّه هي العليا، و لا تأخذهم في الحق لومة لائم.