الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٧٩ - نهيه عن المنازعات و فض الخصومة لدى حكام الجور
نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل. فأتيناه و أصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها إلينا حتى إذا استوثق كل واحد منا صاحبه قال المفضل:
أما إنها ليست من مالي، و لكن أبا عبد اللّه الصّادق أمرني: إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح بينهما، و أفتديهما من ماله، فهذا مال أبي عبد اللّه الصّادق.
و هكذا يكشف لنا عظيم اهتمامه بجمع الكلمة، و عدم الفرقة أولا، و إنهاء الخصومات على يد من أقامه من قبله لذلك ثانيا.
لأنه (عليه السلام) منع عن المرافعة إلى حكام الجور، و أمر بمقاطعتهم، و قد أقام جماعة من كبار أصحابه حكاما من قبله، ينظرون في الخصومات، و يحكمون بحكم اللّه عزّ و جل، و قد أمر الإمام الصّادق بالرجوع إليهم، و المرافعة عندهم و قال:
«أيّما رجل كانت بينه و بين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانكم ليحكم بينه و بينه، فأبى إلّا أن يرفعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال اللّه عزّ و جلّ فيهم: أَ لَمْ تَرَ إِلَى».
و كان يعلن (عليه السلام) بأن المرافعة إلى أولئك الحكام إثم، و أن حكمهم غير نافذ، لأن الحكومة للإمام العادل بالحكم، العالم بالقضاء، كنبي أو وصي نبي؛ و هو (عليه السلام) أحق بالحكم، و أمر بالرجوع لمن جعله من قبله للحكم بين المتنازعين.
و قد ورد عنه (عليه السلام) أنّه قال:
«إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و أيما مؤمن قدم مؤمنا في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم اللّه فقد شركه في الإثم».
و المراد بقوله (عليه السلام): «بغير حكم اللّه» مطلق ما يحكمون به، سواء كان الحكم بالحق أم بالباطل، لأنهم حكام جور، و ليس لهم حق الحكومة بأحكام اللّه، فحكمهم غير حكم اللّه.
و كما كان ينهى عن المرافعة إليهم، كان ينهى عن معاونتهم و العمل لهم، حتى في البناء و كراية الأنهر، و قال في جواب من سأله عن ذلك: «ما أحب أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، إن الظلمة و أعوان الظلمة في سرادق من نار، حتى يحكم اللّه بين العباد».