الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٦١ - منهج البحث
الزهري، و ربيعة الرأي و غيرهم من شيوخ مالك الذين هم أعلم منه و أرقى درجة في الفقه، و لو سمحت الظروف القاسية للحقيقة الصامتة أن تنطق بالحق و تفوه بالواقع لما تخطت الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام) الذي هو أستاذ مالك و من شهد له مالك نفسه: بأن عينه ما رأت أعلم و لا أتقى من جعفر بن محمّد الصّادق.
و أما الشّافعية فدليلهم في النقل هو دعوى انطباق حديث عالم قريش: يملأ الأرض علما. على الشّافعي و ما ذلك إلّا تخمينات مبهمة و فرضيات عقيمة، و قد تعرضنا له في الجزء الثالث في حديثنا عن الشّافعي.
أما الحنابلة فقد أهملوا طريق النقل و تمسكوا بالاعتبار، فلم يدّعوا وجود حديث في إمامهم يبشّر به و يفيض على شخصيته قدسية تؤهله لأن يتفرد بالعلم و لزوم الاتباع، و لكنهم اعتمدوا على مبشرات الأحلام، فجعلوها محل اعتماد و من المرجحات للمذهب، و أنها بمنزلة اليقظة فيقولون: إن ما قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في نوم أو يقظة فهو حق، و قد ندب (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى الاقتداء به- أي بأحمد- فلزمنا جميعا امتثاله [١]. يشيرون بذلك إلى منامات يدّعى فيها أن سائلا سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في النوم: من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به يا رسول اللّه؟ فقال: عليك بأحمد بن حنبل. و بهذا استوت كفتا الميزان في طريق النقل كاستوائهما بين جميع المذاهب في طريق النقل و الاعتبار. فإنّهم جميعا قد عقدوا فصولا مطولة في الأحلام لإثبات فضائل أئمتهم، و جعلوها مصدرا من مصادر تاريخ حياتهم، و ميزانا من موازين عظمة شخصيتهم و طريقا لإثبات مفاخرهم.
كما أننا نلمح في مناقب الكثير منهم اشتراكا في المفاخر التي أثبتوها، و أن طابعها واحد لا يتغيّر و إن تغيّر الزمن، و قد تجنّبنا الخوض في ذلك و ذكر الكلام حولها، إلّا ما يتعلّق به غرض من أطراف البحث.
و كثرت المنامات في فضل أحمد حتى كان لها الأثر في الأدب الحنبلي، فنظم الشعراء ذلك، يقول أبو الخطاب المتوفى سنة ٤٧٦ ه:
و عن مذهبي إن تسألوا فابن حنبل* * * به أقتدي ما دمت حيا أمتع
و ذاك لأني في المنام رأيته* * * يروح و يغدو في الجنان و يرتع
[٢]
[١] ذيل طبقات الحنابلة ج ١ ص ١٣٧.
[٢] طبقات الحنابلة ج ١ ص ٤٠٧.