الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٥٠ - نهيه عن مذهبه القديم
و مثل القفّال و أبو العباس و غيرهم ممن اشتهر بالاجتهاد المطلق و نسب إلى الشّافعي، و لهم الفضل في التخريج للمسائل.
و لما أغلق باب الاجتهاد أصبح المذهب مقصورا على دراسة أقوال المتقدمين، و المحافظة على ما ورثوه عنهم، و استخراج الفتاوى و الأحكام من بين الأقوال المختلفة و الآراء المتنازعة. و بمجموعها قد تكوّن المذهب الشّافعي.
و على أي حال؛ فإنا لا نستطيع تحديد فقه الشّافعي من أقواله و آرائه بعد ما أصبح المذهب المنسوب إليه، مجموعة أقوال أئمة مختلفين متباعدة أوطانهم مختلفة آراؤهم، و ضمن تلك الأقوال انضمت أقوال الشّافعي و آراؤه، و لا سيما أكثر المؤلّفين قد نسبوا ما ألّفوه للشافعي طلبا للقبول و دعاية للرواج.
نهيه عن مذهبه القديم:
إن من أهم الظواهر التي لاحظناها عند دراستنا لحياة الشّافعي هي نهيه عن الأخذ بمذهبه القديم الذي أفتى فيه ببغداد، فأصبح المعوّل على ما أفتاه في مصر، و مثل هذا التطور يوجد لنا إحجاما عن تحقيق ذلك التكامل في تلك المدة القصيرة، التي لا تسمح لمثله من البشر أن يبلغ تلك الدرجة التي ادعيت له في بلوغ أعلى منزلة علمية، مع وجود شواغل و موانع تحول بينه و بين استخدام قوته و استعمال فطنته، لاستنتاج مسائل تكون شاملة لأحكام قرون متوالية.
لقد كان الشّافعي في مصر مشغولا بمرضه الذي اعتوره مدة طويلة، مع وجود مشاحنات و مقابلات بين أصحابه و بين خصومهم من المالكية، بالإضافة إلى ما وصفوه به من طول العبادة و التهجد. يضاف إلى ذلك ما كان يعلوه من دين لعسر حاله، فيقال: إنه مات و عليه من الديون ستون ألف دينار. و هذا له أثره في الطبيعة البشرية، إذ هو بحكم الطبع الإنساني شاغل مجهد، مع أن الشّافعي معروف ببلاغته و معرفته بلغة العرب و أشعارهم، و كان هو ينظم الشعر الرائق أيضا، و قد التف حوله كثير من طلّاب مصر لمعرفة الآداب و اكتسابها منه. إلى آخر الأمور التي وصفوه بها، و بطبيعة الحال إن ذلك يوجب التوقف عن إعطاء الحكم بما يدّعونه له، و كان اللازم أن نوفق بين تلك الروايات الدالة بمنطوقها على تكامله و استعداده و تفوقه الاجتهادي من صغر سنّه، و بين نهيه و تحريمه لمذهبه القديم، لأن هذا التطور الغريب يستلزم